بحث أكاديمي أم بيان حزبي؟
16-5-2025
“إن فسد الملح فبماذا يملّح”؟
نستذكر الآية بمناسبة انعقاد مؤتمرات، تنعت نفسها بالأكاديمية، داخل صروح جامعية. تتناول المؤتمرات مواضيع سياسية هي ذاتها محل صراع يومي ساخن. أهم تلك المواضيع والقضايا ما يتعلق بإلغاء الطائفية السياسية والعلمنة.
ينتفي الطابع العلمي عن تلك المؤتمرات حين يكون المشاركون فيها سياسيين محترفين أو مثقفين ملتزمين حزبياً، يكررون في “أبحاثهم” ما في الخطاب السياسي اليومي من مماحكات ومناورات.
الزجل الطائفي حول قضيتي العلمنة وإلغاء الطائفية السياسية بات مبتذلاً. ابتذاله أمر طبيعي إن هو صدر عن زجّالي السلطة وأحزابها، أما أن يصدر عن أكاديميين ومن صروح أكاديمية فذاك بالضبط هو فساد الملح وفساد البحث العلمي والأكاديمي.
مثقفو “الشيعية السياسية” يتولون، بالنيابة عن تنظيميها الحزبيين وعن رئيس السلطة التشريعية، مهمة المطالبة بتطبيق اتفاق الطائف وبتنفيذ البند المتعلق بإلغاء الطائفية السياسية، بدءاً بتشكيل الهيئة الوطنية المولجة بعملية “الإلغاء”. مؤتمرات ولقاءات وحوارات تبدي حرصاً على الدستور فيما يمعن ممثلوهم في البرلمان بانتهاكه. كيف تفسر إذن هذه المفارقة؟
ساذج من ما زال يعتقد أن إلغاء الطائفية شعار “وطني”، ذلك أنه، منذ ولادته في برنامج الحركة الوطنية للإصلاح الديمقراطي، في أول الحرب الأهلية، تحول إلى شعار طائفي مصوب على امتيازات المارونية السياسية في هيكل السلطة، خصوصاً في ما يتعلق برئاسة الجمهورية وبعض وظائف الفئة الأولى في الإدارة.
كان الشعار بمثابة سلاح حربي يطلق قذائفه من “الغربية” على “الشرقية” فأتى الرد بسلاح أكثر مضاءً ليزرع الرعب في مؤسسات عند جميع الطوائف تنافس الدولة بامتلاكها سلطة موازية للسلطة القضائية، لأن العلمانية تختصر، في عقول رجال الدين، بقانون الأحوال الشخصية والزواج المدني.
كل من الشعارين مرفوض من الطرف الآخر، وصاحبه متيقن من ذلك. سلاح يعطل سلاحاً فيتحولان أداة للتخويف ويستمر الحال على ما هو عليه إلى أن “يقضي الله أمراً كان مفعولاً”. أما بقية الأية (44 من سورة الأنفال) “وإلى الله ترجع الأمور” فقد استخدمتها “المرجئة” في قيادة المنظومة الحاكمة لتلغي أي احتمال للإصلاح السياسي، والمرجئة في وسائل الإعلام لشن هجوم على “النواب التغييريين” لتشويه فكرة التغيير وإلغائها من القاموس.
يتطور الزجل الطائفي من قول بطريركي “لا نقبل إلا ما يقبل به المسلمون” رداً على قول المرجعية الشيعية “لا نقبل إلا ما يقبل به المسيحيون”، إلى تخويف المسيحيين بالديمقراطية والأغلبية العددية والاستفتاء وتخويف المسلمين بالعودة إلى ما قبل الدولة وبالفدرالية واستحضار مفردات من مثل، لبنان الصغير ولبنان الكبير و”المحافظة الأم”، أي جبل لبنان.
لا العلمنة ولا إلغاء الطائفية السياسية بعد أن تحولا إلى شعارين طائفيين. الحل بدولة القانون والمؤسسات والالتزام بأحكام الدستور والعمل على تطويره بعد أن تهدأ نفوس المحاربين.
مقالات ذات صلة
نهاية حزب الله وسائر الأصوليات: في منهج البحث
مهزلة الخوف على التاريخ
هل تحول النضال النقابي إلى -لعبة مسلية-؟