6 مارس، 2026

الطائفية مرض السياسيين والمؤرخين لا مرض النظام 

يقول المحللون إن عمر الطائفية من عمر الوطن. مكتباتنا العامة والخاصة تزخر بالأبحاث والمقالات عن ظاهرة استفاض اليسار في شتمها واليمين في لعنها. كلما دق كوز متطرف ينتمي إلى الإسلام السياسي بجرة متطرف من المارونية السياسية، يتواجه شعار إلغاء الطائفية السياسية بشعار العلمنة الكاملة، عندها تهدأ النفوس، تحضيراً لجولة عنف جديدة.

كلما ازداد المحبطون إحباطاً تطالعنا فكرة مجنونة عن التقسيم أو الفدرلة، وكلما هبت رياح من الشرق العربي تتحرك الأصوليات مطالبة بعودة السلطنة والخلافة والجيش الإنكشاري، أو يهب متطرف قومي ويتهم سايكس بيكو بكل موبقات التاريخ. النتيجة الوحيدة الثابتة تحول أجيال وجاليات إلى متحدرين من أصل لبناني وانقلاب ديمغرافي وتناقص في أعداد مسيحيي الشرق.

قرن كامل تخللته حروب وقمم روحية ودعوات وصلوات وأعمال قتل على الهوية، حُمِّلت النصوص والنفوس أوزارها. خبراء السياسة وأطباؤها ومؤرخون من كل الطوائف ومستشرقون نقبوا في باطن الأرض عن جذورها فعثروا تحت الركام على نفق طويل مليئ بالتشخيصات والوصفات وعادوا من الدهاليز بعلاج من خفي حنين.

وحدهم السياسيون المحترفون كانوا يديرون اللعبة بمهارة ويمزقون الشباك بأهدف يسجلونها في مرمى العلمانيين، وتنحدر البلاد من الطائفية إلى المذهبية وتنتصر داعش الأمة ويخسر العروبيون السباق ويعود عصر القبائل والعشائر، ويظل الداعية أو الأمير يردد في الفيافي قول الشاعر: “أنا نبي لا ينقصني سوى اللحية والعكاز والصحراء”، إلى أن تصبح “عدة الشغل” جاهزة، فتتفوق الميليشيا على الدولة و”يعلو صوت الطبل على صوت القانون”، على قول العبقري زياد الرحباني، ويبارك القادة ارتقاء الشهداء في حفلات الرقص على الرمل.

كنيسة روما أذعنت لقدر الحضارة الرأسمالية بعجرها وبجرها. فيسأل سائل، لماذا لم تذعن قم والنجف والأزهر؟ ويسأل آخر، ألأنها افتقرت إلى مصلحين في الشرق من أمثال لوثر في الغرب؟ فيجيبهم سمير أمين العلماني الملحد، الدين قابل للتكيف مع مبتكرات الحضارات، والعطل في العجز عن التكيف.

في دول يرئسها علمانيون، يقول النص الدستوري، الإسلام دين الدولة، بينما يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين إن الحل بقيام دولة بلا دين. حين أفتى الشيخ الأزهري علي عبد الرازق بأن الإسلام دين وليس دولة، نزعت عن رأسه العمامة. الأزهر طرده والأزهر أعاده إلى موقعه مع العمامة، بقرار من الملك في المرتين. شارك المحبون من كل لبنان في تشييع السيد هاني فحص، ودق جرس الكنيسة ورفع الأذان في داخلها في حفل تأبينه، فيما تعامل مشايخ المؤسسة الدينية مع موته كأنه مارق أو مرتد. العطل ليس في الدين بل في المؤسسة، دينية كانت أم سياسية.

مقابل هذه الفرضية يقول آخرون إن العطل في العقول الطائفية أو في النظام الطائفي أو في الجينات المتجذرة في تاريخ لبنان من أيام المعنيين والشهابيين والقائمقاميتين وفي نظام الملل العثماني ونظام المتصرفية، ويقيمون حفلات الزجل الطائفي ومباريات التغني بالأمجاد الماضية، فيما الحاضر ينوء تحت أوزار مفاهيم ومصطلحات وتحليلات طائفية ومذهبية تزوّر تاريخ لبنان وتشوه حاضره  وتعيق صياغة مستقبله.

فرضيتي في هذا الشأن أن العطل ليس في النظام بل في أهل النظام. ليس في الدستور بل في الممارسة الدستورية. ليس في الدين بل في المؤسسة. ليس في الإيمان بل في التدين. ليس في التاريخ بل في كتابة التاريخ. ليس في السياسة بل في تحليلات الخبراء الستراتيجيين. هل هي فرضية تستعصي على الإقناع؟ سأحاول في سلسلة مقالات عن الطائفية أن أستكمل ما في كتاب “أحزاب الله” عن الموضوع، بادئاً باستعادة بعض مقاطع منه كتمهيد لاستئناف البحث من حيث انتهى، لعل ذلك يكون حافزاً على ورشة نقاش لا تتكرر فيها أفكار ومقولات أثبت تاريخ الأزمة عدم جدواها.

About The Author