حزب الله ضد تسليم السلاح بحجة أنه مطلب أميركي. هذه ذريعة تضاف إلى قائمة من الذرائع بدأت بمزارع شبعا والمياه الجوفية والنفط البحري والقرى والمقامات الشيعية في سوريا ومواجهة العدوانية الإسرائيلية وتحرير فلسطين، وختمت ذات مرة بالسلاح دفاعاً عن السلاح. في المقابل خشية من أن تتخلى أميركا عن دعم لبنان، إذا ظلت قضية السلاح مستعصية على الحل.
حزب الله يرفض الدور الأميركي، وهو يعرف أنه ما كان ممكناً دخول السلاح إلى لبنان لولا رعاية أميركية للوصاية السورية على لبنان مدعومة من كل القوى الغربية. في تلك المرحلة ألغيت المعابر الشرعية والحدود بين البلدين. أميركا المعنية بدخول السلاح معنية بخروجه. وأميركا الشريكة في صياغة القرار 1701 معنية، هي والشركاء الآخرون ومنهم حزب الله، بتنفيذه.
الخشية في محلها إذن، لكن لا لأن أميركا تخلت عن تقديم المساعدة بل لأنها تخلت عن القيام بواجبها، هي وجميع القوى العربية وغير العربية التي سهلت دخول السلاح إلى لبنان، منذ أول بندقية شرعت اتفاقية القاهرة وجودها في العرقوب وفي المخيمات الفلسطينية حتى آخر مسيّرة إيرانية. المستغرب كيف لا تكون الجهة المسؤولة عن إصدار القرارات، دخول السلاح أو “إخراجه” بموجب 1701، مسؤولة عن تنفيذه.
الحكومة اللبنانية ليست مسؤولة عن نزع السلاح بالقوة لما في ذلك من خطر انزلاق البلاد نحو حرب أهلية، لكنها مسؤولة عن تطبيق الدستور والقوانين. فما الذي يمنعها من أن تسوق إلى العدالة كل ضالع في الشحن الطائفي والتحريض على العنف من خلال وسائل الإعلام والتواصل. بعبارة أخرى، الحكومة اللبنانية مسؤولة عن حصرية السلاح بموجب الدستور أولاً وأساساً من غير الحاجة إلى أي قرار. الدستور هو محور النقاش قبل القرارات الدولية ومنه يبدأ بناء الدولة.
إحدى مشكلات لبنان المستعصية انقسامه الداخلي حول العلاقة بالخارج. مع لبنان الكبير وضده، مع سايكس بيكو وضده، مع فرنسا أو مع بريطانيا، الناصرية، القضية الفلسطينية، الغرب والشرق، ولاية الفقيه. كل أمر هو مادة انقسام لبناني.
توزعت ردة فعل اللبنانيين على قول المبعوث الأميركي توم براك، إن مسألة السلاح شأن داخلي لبناني، بين رفض وخشية واستهجان، ربما استبطن قوله هذا تهديداً أو إنذاراً أو تخلّياً، فهو يعمل ما يرى فيه مصلحة بلاده وربما مصلحة إسرائيل أيضاً. أما نحن فبإمكاننا توظيف كلامه بما يخدم الاحتكام إلى الدستور سبيلاً وحيداً لحماية التنوع والتعدد والديمقراطية في لبنان وللخروج من أزمة السلاح والمحاصصة والفساد.
مرة وحيدة خرج لبنان من ثنائية مع وضد، حين تولى فؤاد شهاب الرئاسة واختار الخيمة مكاناً للقاء مع جمال عبد الناصر. في عهده لم يعد سؤال العلاقة بالخارج هو المطروح أمام اللبنانيين، حكومة وشعباً. صارت مادة النقاش والحوار هي “الكتاب”، أي الدستور. لذلك لم يعترض أحد على حكومة رباعية لم تتمثل فيها الطوائف، فهل يمكن الاسترشاد بهذه التجربة؟ وهل يمكن أن يقتنع حزب الله بأن الوحدة الوطنية أقوى من الصواريخ؟
مقالات ذات صلة
نهاية حزب الله وسائر الأصوليات: في منهج البحث
مهزلة الخوف على التاريخ
هل تحول النضال النقابي إلى -لعبة مسلية-؟