28 أبريل، 2026

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=915310


موضوع هذ المقالة محصور في الجواب على أسئلة تتمحور حول قضية واحدة. كيف يمكن تجميع من يعتقدون أن الدولة هي الحل؟ كيف يمكن تجميعهم ليشكلوا كتلة ضغط شعبي تتضامن مع السلطة القائمة من غير أن تتماهى بها أو أن تكون من أدواتها؟ كيف يمكن تجميعهم من غير أن يساور أياً منهم تحويل هذا التجمع إلى حزب؟ كيف يمكن أن يحتضن هذا التجمع، أيا يكن إسمه، القوى المؤيدة لفكرة الدولة، من غير أن يشكل قيداً على نشاط كل منها منفردة، ومن غير أن يتعارض النشاط المنفرد مع المساحة المشتركة، وأن يشجع على نشوء أحزاب وطنية غير طائفية؟
على ماذا ينبغي أن نتفق؟ أولاً على ما يجمع حول مشروع الدولة، وعلى إحالة ما قد يكون محل خلاف أو سبباً للتفرقة إلى نشاطات ومبادرات حرة لدى كل طرف؛ ثانياً على تفسير واحد لمفاهيم ومصطلحات متعلقة بالدولة بعيداً عن تأويلات قد تفرغها من مضامينها.
القائمة طويلة، في رأسها موضوع السيادة، وبعده مصطلحات الدولة العميقة والديمقراطية وقانون الانتخاب والعلاقة بين الدولة والسلطة والأجهزة، إضافة إلى المواطنة وكتابة تاريخ لبنان والعلمانية والطائفية السياسية وغيرها من المفاهيم التي يفضي الاختلاف في تفسيرها إلى إجهاض فكرة التجميع.
مصطلح السيادة هو الأكثر خضوعاً للتجاذبات إذ يشاع استخدامه، حتى لدى بعض المتحمسين لفكرة الدولة، بالمعنى الجزئي الذي يحيل إلى السيطرة على الحدود الخارجية للوطن، فيما المعنى الحقيقي هو سيادة القانون لا على الحدود ضد خطر خارجي فحسب، بل وفي داخل الأراضي أيضاً التي تشكل واحداً من الأركان الثلاثة في بناء الأوطان، أي الشعب والأرض والسيادة. بهذا المعنى فإن وجود الميليشيات المسلحة أو غير المسلحة والمؤسسات الموازية لمؤسسات الدولة تشكل عدواناً دائماً على السيادة.
استناداً إلى معنى السيادة هذا، يعتبر عدم التقيد بأحكام الدستور والإمعان في عدم احترام استحقاقاته وتحويله إلى مادة للسجال السياسي وإخضاعه للتأويل والاجتهاد في تفسير نصوصه من الاعتداءات الفاضحة على الدستور.
الدولة كيان معنوي ينضوي فيه الجميع أفراداً وأحزاباً وجماعات ويرتبط معناها بمصطلح الوطن ارتباطاً عضوياً، ولهذا يصبح المساس بها مساساً بالوطن. الدولة للجميع ويستمر ولاء الجميع لها. أما السلطة فمحل تنافس وتداول. غير أن الخلط بين الدولة والسلطة شوه في الثقافة الشائعة معاني الحرية والمواطنة والمجتمع والشعب، فتعرضت المصطلحات إلى عملية دمج صارت فيها الدولة وسلطات الدولة وأجهزة الدولة شيئاً واحداً، وتعممت “الخسائر” فدفعت مؤسسة الجيش الثمن الأكبر بتحويلها من جهاز في الدولة إلى ركن من أركانها.
الدولة العميقة مصطلح موضوع في التداول حديثاً ويستخدم في غير معناه. الدولة العميقة هي القانون والمؤسسات، وهي التي صانت الوطن وحمته من “غارات” شنتها عليه قوى خارجية وأطراف داخلية مدعومة من الخارج. بفضلها صمد لبنان أمام اجتياحات جيوش وتشبيح ميليشيات. أما الاختراقات داخل الأجهزة الأمنية والإدارية فهو عدوان على الدولة العميقة ينفذه عميل لعدو أو مستزلم لزعيم طائفي.
الدولة المنشودة هي الدولة المدنية العلمانية. غير أن برامج الإصلاح السياسي لم تحسن استخدام المصطلحات والشعارات لمعالجة ظاهرة الطائفية في لبنان. فقد تحول إلغاء الطائفية السياسية والعلمنة إلى شعارين طائفيين يثير الأول مخاوف المسيحيين على امتيازات في السلطة، والثاني مخاوف المسلمين على قانون الأحوال الشخصية والزواج المدني. الشعار الذي لا يثير مخاوف ولا يحمل التباسات هو دولة القانون والمؤسسات.
لا التفسير العددي ولا صندوقة الاقتراع يعبران عن المعنى الصحيح للديمقراطية، فدلالاتها الحقيقية هي المتعلقة باحترام التعدد والاعتراف بالآخر وبالحقوق التي نص عليها الإعلان العالمي والشرعة. وبما أن قوى السلطة تواطأت تكراراً على اعتماد قوانين انتخابية لا تعكس بأمانة حجم التنوع، فعلى الحكومة والمجلس النيابي أن يضعا في رأس الأولويات سن قانون انتخابي عصري يساعد على إعادة تكوين السلطة وعلى تجديدها بشكل دائم.
الموقف من الدولة هو المعيار الذي ينبغي اعتماده في كتابة تاريخ الجمهورية اللبنانية، على أن يترك لكل منطقة وطائفة أن تكتب تاريخها، وليست قليلة العدد ولا قليلة الأهمية العناصر المشتركة الممتدة من الكنعانيين والفينيقيين والعرب والعثمانيين والانتداب إلى إعلان لبنان الكبير ومن بعده الاستقلال.
فهل يشكل مثل هذا التجمع بيئة حاضنة لتأسيس حزب وطني لبناني غير طائفي هو “حزب الدولة”؟

About The Author