https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=917030
عجباً! لماذا يستسهل أهل الخندق الواحد تحويل الاختلاف إلى خلاف ونصب المتاريس وتبادل التهم؟ لا أوافق على تصنيف زياد ماجد في فريق “نيو ممانعة” كما أنني لا أوافق زياد على خياره الثالث ولا على المحاججة التي اعتمدها لإثبات صحة هذا الخيار، ولا على الحدة التي رشق بها منتقديه حين استخدم عبارات هجائية، كالافتقار لأي تماسك، والهشاشة والعجز عن قول أي جديد، والخفة والديماغوجية وغيرها من أحكام القيمة.
سوء التفاهم هذا يمكن تبديده بالعودة إلى مقالة غسان صليبي الرصينة المنشورة على صفحته بعنوان: “خيار ثالث” أم خجل إيديولوجي من الانحياز إلى “خيار الدولة”؟ سأنطلق منها لأفسر سوء التفاهم، فأرى أنه ليس ناجماً عن “خجل إيديولوجي” فحسب، بل كذلك عن تفاوت في فهم معاني المصطلحات المتعلقة بالدولة، وعن تباين في ترتيب أولويات القضايا بين وطنية وقومية واجتماعية.
خاض زياد ماجد تجربته النضالية الطويلة منذ دخوله يافعاً في مؤسسة الصليب الأحمر ثم بانخراطه بعد ذلك في النشاطات الثقافية من خلال المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ثم في عمله الصحافي مسؤولاً عن صفحة الرأي في جريدة السفير، لكن تجربته الحزبية القصيرة لم تتجاوز أشهراً معدودة، بدأها مع حركة اليسار الديمقراطي جنباً إلى جنب مع مناضلين اثنين، الياس خوري الفلسطيني الهوى وسمير قصير الفلسطيني النسب، وغادرها ليكون على مقربة فكرية وسياسية من النخب السورية المعارضة المقيمة في فرنسا. سبب المغادرة اعتراضه على تغليب قضية على أخرى والبحث عن حلول لبعضها على حساب بعضها الآخر.
مقالة زياد في ميغافون التي حملت عنوان، “هل صحيح ان الخط الثالث مجرد وهم وطهرانية سياسية؟”، لم ينجم عنها سوء التفاهم، بل هي أخرجته إلى العلن، بعد مساجلة مع آخرين في جلسة مغلقة عقدت في النادي الثقافي العربي في بيروت، شاركت فيها حضورياً وشارك فيها زياد على الزوم من باريس، موضوعها “استشراف المشهد اللبناني بعد الحرب”.
سبب سوء التفاهم هو الموقع وليس الموقف. لا نزايد على زياد في انتمائه الوطني وللقضية. لكن المشهد يُرى من فرنسا بغير ما يرى من لبنان، ويرى بعين فلسطينية أو سورية بغير ما يرى من داخل المعمعة اللبنانية. المزاج الفرنسي خصوصاً والأوروبي عموماً يرى أن أزمة لبنان من ملحقات القضية الفلسطينية وحقل تجارب لاستبداد النظام السوري. أنظار اليساريين والعلمانيين والتقدميين هناك مشدودة إلى ما يعتبرونه الأصل والمنبع، لا لأن القضية اللبنانية أقل أهمية من سواها، بل لأن اهتمام الإعلام الغربي بكارثة غزة يجعل الكارثة اللبنانية بعضاً صغيراً من تفاصيلها وملحقاً من ملحقاتها، خصوصاً أن “حرب الإسناد” التي فجرها حزب الله في لبنان ليست، في نظر الغرب الأوروبي كما في خطاب حزب الله، سوى تنويع أو صدى “لطوفان الأقصى”.
مداخلة زياد في جلسة النادي الثقافي العربي أثارت ردوداً وانتقادات، إذ اخذ بعضهم عليه تشخيصه المغلوط للانقسام اللبناني بين حزب الله ومؤيديه من جهة ومعارضيه من جهة أخرى، وهم طيف واسع من القوى يمتد من اليسار الممانع حتى الفدراليين. بل هو فاقم الخطأ حين استفاض في الكلام عن خصوم حزب الله الذين “يظنون أن نتائج الحرب ومقاربات ترامب قد تعيد لهم يوماً مجداً ضائعاً. مجدٌ يحنّ إليه زجّالون يريدون استعادة لبنان ما قبل الحرب وما قبل “الغريب”، وعبروا في مواقفهم عما يشبه التمنّي بأن تُطيحَ إسرائيل بالحزب الشيعي وأن يلي ذلك تطبيعٌ معها”، فبدا في كلامه منحازاً إلى خيار حزب الله الذي يعارض التطبيع والمفاوضات، لا إلى خيارات معارضيه الذين لا يخفي بعضهم مشاعره غير الإيجابية تجاه القضية الفلسطينية.
بعد فشل المواجهات العسكرية مع إسرائيل، ولا سيما في إسناد غزة وإسناد إيران، بات من نافل القول إن الخيار الوحيد الصحيح أمام اللبنانيين للنجاة من هذه الكارثة هو خيار الدولة، وهو بالضبط ما أشار إليه زياد في أكثر من مكان في مداخلته أو في مقالته وحدده بثلاث نقاط أو ثوابت:
– “ضرورة وقف الحرب الإسرائيلية.
– إطلاق مفاوضات مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق وقف نار وترسيم حدود وانسحاب من الأراضي اللبنانية على أساس اتفاقية الهدنة والقرارات الأممية ذات الشأن، والاتفاق على نصوص مشابهة من دون الحديث عن سلام وتطبيع وعن مسائل تتطلب وقتاً طويلاً وحلولاً إقليمية وفلسطينية.
– تسليم سلاح حزب الله للجيش اللبناني وبسط سلطة الأخير وحده على كامل الأراضي، واستعادة الدولة لقرار الحرب والسلم، كل ذلك في إطار توافقات واجبة ومساعٍ عربية ودولية دون الانجرار إلى صراع داخلي.”
كان يمكن لزياد أن يتفادى سوء التفاهم هذا لو لاحظ أن خطوط التماس في الانقسام اللبناني لم تعد قائمة بين مؤيد للقضية الفلسطينية ومعارض لها أو بين مناصرين ومناوئين للكفاح المسلح، أو بين “ثنائية ممانعة/ حرب – اتفاقية سلام/ تطبيع”. بل باتت مرسومة بدقة بين أنصار السلم وأنصار الحرب، بين خيار الدولة وخصومه، وأن سياسة حزب الله باتت تشكل عقبة أمام رغبة اللبنانيين في الخروج من حالة الحروب المتناسلة والشروع في إعادة بناء الدولة الديمقراطية، دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والحريات والعدالة.
كما كان يمكن لمنتقدي زياد أن يتفادوا حروب الخندق الواحد لو توحدت مصطلحاتهم المتعلقة بالدولة والسيادة والدستور والعلمانية والطائفية والديمقراطية والدولة الموازية والدولة الرديفة والدولة العميقة. هذا ما على المثقفين في جلساتهم المغلقة وندواتهم وحواراتهم أن يجعلوه مادة نقاش مجد يساعد على تجميع “كتلة ضغط تاريخية” تحمل على عاتقها مهمة إعادة بناء الوطن والدولة.
مقالات ذات صلة
حزب الدولة
استشراف ما بعد الحرب
ضد التفاوض حتى على الانسحاب الإسرائيلي!