12 مايو، 2026

إلى أين يا حزب الله

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=917383

ليست المرة الأولى التي أخاطب فيها حزب الله، من الموقع المحب دوماً. كنت أوجه له كلاماً صادقاً وقاسياً. الصدق فيه نابع من اعتقادي بأنه يستكمل تجربتنا في التحرر الوطني التي بدأها اليسار الشيوعي وتجربة تصدير الثورة التي بدأتها الأممية الاشتراكية. والقسوة فيه لأنه لم يصغ لنصيحة ولا قبل نقداً ولا استمع لرأي مختلف، ولا اقتنع بوجود أوجه شبه بين المقاومة الوطنية والمقاومة الإسلامية، ولذلك رفض المراجعة التي قمنا بها لتجربة “جمول” (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية) ورفض تطبيقها على تجربة مقاومته المسلحة.
بعد انتخابه نائباً في البرلمان قلنا، بحضور الحج محمد رعد، رداً على من استخدموا نظرية المؤامرة في تفسير تراجع “جمول”، إن السؤال الصعب الذي يطرح على المقاومة هو سؤال ما بعد التحرير، أيّ مشروع وأيّ برنامج؟ بدأت جمول بالتراجع مع بدء انهيار الاتحاد السوفياتي ومشروع الاشتراكية. إذا أرادت المقاومة الإسلامية أن تتفادى مصير جمول، فعليها أن تتبنى خيار الدولة الديمقراطية، دولة القانون والمؤسسات التي تحت خيمتها ينتظم الاختلاف ويحمى التنوع ويصان التعدد، بدل المضي وراء مشروع الدولة الإسلامية، دولة ولاية الفقيه.
غداة التحرير، اجتمع عدد من المهتمين بالشأن العام مع النائب حسن فضل الله في منزل الصديق فرحان صالح في الضاحية الجنوبية، نصحنا حزب الله، في تلك الجلسة، بإهداء انتصاره للشعب اللبناني وسلاحه للجيش.
غداة حرب تموز 2006 كتبت سلسلة من المقالات في جريدة البلد تضمنت قراءة نقدية تطابقت عناوينها مع عبارة” لو كنت أعلم” التي أطلقها الأمين العام السيد حسن نصر الله. ” انتصار كان يمكن تفاديه”، “فائض عسكري وخواء سياسي”، “حزب الله ينتهك السيادة من الداخل”، “نتضامن مع أبطال المقاومة ونختلف مع سياسة حزب الله”
أعدنا نشر هذه المقالات في كتاب “الشيعية السياسية” وقلنا فيها إن الشيعية السياسية خطر على الشيعة والوطن وخطر على إنجازات المقاومين الأبطال. الحماية الوحيدة لتاريخنا وبطولاتنا هي دولة القانون، دولة الوحدة الوطنية.” وختمنا بكتاب نهاية حزب الله وسائر الأصوليات، لأننا على يقين بأن التطرف إلى زوال، ولا يستمرعلى قيد العمل سوى سياسة الاعتدال وأحزابها.
“إذا كان حزب الله لا يريد دفع الأمور إلى شفا الحرب الأهلية، ونحن نعتقد أنه لا يريد، فعليه تقع مسؤولية تاريخية، بالمعنى الإيجابي للكلمة، عن نقل الوطن من الدويلات إلى الدولة، من غير أن يجرب الشيعة ما سبق أن جربه الآخرون، وأن يدفعوا الأثمان التي دفعها الآخرون، أو أن يفرضوا على الوطن ما فرضه عليه الآخرون.
علينا أن نقتدي بكلام قاله السيد حسن نصر الله: “نحن بلد متنوع متعدد ولا يمكن أن يدار بدولة إسلامية ولا مسيحية ولا إسلامية شيعية ولا إسلامية سنية ولا مارونية ولا أرثوذكسية، ولكي يبقى البلد موحداً ومتماسكاً، ولنستطيع بناء دولة تحمي البلد والمجتمع وحقوق الناس ولتخدمهم كما يجب وتحافظ على كرامتهم، لا بد من التوافق”.
قلنا لحزب الله، “لم يعد يجوز لقائد، أو لقيادة، أن تدير معركة مع عدو مجرم ومدجج كإسرائيل تحت شعار: نحن لسنا بحاجة إلى أحد، ولا نطلب من أحد مساعدة، يكفينا إيماننا واتكالنا على الله، بل نطلب منهم فحسب ألا يساعدوا عدونا علينا! ولم يعد يجوز لنا أن نواجهه بغير العلم”
“شرط المقاومة أن تقوم من أجل الوطن، أن يكون لها وطن. ولا تحل أية قضية، مهما تكن مقدسة، محل الوطن. ولهذا فإن ” الجهاد” في سبيل الله ليس مقاومة ولو تضخمت التضحيات، لأن الله ليس قضية وطنية بل قضية دينية، ولم نعد في عصور التبشير”
قلنا مثل هذا الكلام في كتب ودراسات ومقالات وندوات ومقابلات متلفزة، ولن يتبدل تقديرنا الكبير لبطولات المقاومين ولن يتضاءل منسوب نقدنا القاسي لمشروع حزب الله السياسي، ولا سيما على ضوء ما آلت إليه نتائج حربي الإسناد، لكن لنا عليه أن يستمع للرأي الآخر ولو لمرة أخيرة قبل فوات الأوان.
لنا عليه أن يستمع إلى وجع النازحين وإلى دمار القرى ونكبة الشيعة. أن يقول إلى أين يمضي بالجنوب وبالوطن، ما هو مشروعه وبرنامجه في مواجهة العدو الهمجي الوحشي العنصري المدجج؟ انتهى الإسناد الأول بعدوان صهيوني وباحتلال خمس تلال والثاني بسبعين قرية. الأول بتهديم منازل معدودة في كل قرية والثاني بتدمير القرى وتسويتها كما لو أن الجنوب بقعة من سطح القمر، على ما وصفه أديب الصحافة سمير عطا الله. انتهى الأول بشمال الليطاني والثاني بشمال الزهراني والحبل على الجرار، فهل يأتي دور شمالي الأولي وتستعاد ذكرى الاجتياح الأليمة؟
ما هي خطتك لإعادة النازحين إلى بيوتهم بعد أن لم يعد لهم بيوت؟ من أين ستأتي بعشرات مليارات الدولارات لتعيد إعمار ما تهدم؟ وإن توفرت المبالغ المالية فهل تكفي سنوات خمس أو عشر لإعادة الجنوب إلى أهله وإلى الوطن؟ وماذا عن أجيال تعيش في مراكز الإيواء بلا تعليم وعن نازحين سيتأقلمون حيث نزحوا؟
لن نناقش حزب الله بالانتصار ومعاييره، لكن هل هو انتصار على العدو أم على شعبك وأبناء بلدك؟ لماذا تطلب من الشعب اللبناني إثمان انتصاراتك، أليس أولى أن ترغم العدو بقوة الانتصار على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بدل مطالبة حكومة بلادك بطاولة حوار؟
لا ندعي أننا نحتكر الحقيقة لكننا نطالبكم باحترام حقنا بالاختلاف وبالاستماع إلى الرأي الآخر بدل تخوينه. التخوين لا يصنع وحدة وطنية ولا يُبنى حوار بين خوّانين. تعالوا إلى كلمة سواء مع من جربوا الجبروت وخبروا المكابرة. لم يعد يجدي الجهاد بالدعاء أو بالنحيب أو باستدراج الصديق للمساعدة والعدو للعدوان، ولا باستعداء من يخالفكم الرأي. استحق حزب الله مقام الرمز وصار مثالاً لانتصار التحرير بلا شروط، فلماذا رحت تتخلى عن حصانتك ممن أحبوك وساندوك ودعموك، حتى غدوت تغني منفرداً على ليلاك؟
صحيح أن الاستسلام للعدو مذلة لكن التسليم بالوقائع هو أقرب إلى استثمار التجارب واستخلاص الدروس. تعالوا إلى كلمة سواء لنعيد أهل الجنوب إلى قراهم، لنعيد الجنوب إلى أهله وإلى الوطن.
لن ننتصر على أعدائنا ولن نجد حلولاً لأزماتنا بغير الدولة. دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص، دولة الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

About The Author