5 يوليو، 2022

العيش المشترك في مهب الريح

والبديل: وحدة الشعب اللبناني والوطن

        ربما تكون آخر الكلمات التي صرّح بها مصطفى سعد قبل تعرُّضه لمحاولة الاغتيال، قد أكدت على أنّ “صيغة العيش المشترك” قد انتهت إلى غير رجعة. وكان يعني بذلك أنّ العلاقات القائمة على ما أسماه صائب سلام، رئيس الوزراء السابق، “بالتفهم والتفاهم” لم تعد كافية لبناء وطن.

        نهاية الصيغة، “العيش المشترك”، هي المدخل الوحيد كما تقول بعض الأوساط، من أجل بناء وطن جديد وعلى أُسس حديثة. ولم يكن صدفة أن ينعي موت المجاملات بين الطوائف اللبنانية أحد قادة المقاومة الوطنية اللبنانية في الجنوب اللبناني، لا سيما في عاصمته، صيدا.

        لم يكن صدفة، لأنّ العلاقات الطوائفية في الجنوب لم تكن في يوم من الأيام قائمة على أُسس الصراع التاريخي بين الطوائف اللبنانية. يترتّب على ذلك استنتاج منطقي، وهو أنّ هذا الجزء من السكان، أي الذين يعيشون في إحدى محافظات لبنان الخمس، لا يجوز أن يطلق على العلاقات السياسية والاجتماعية التي تنظّم حياتهم، على أنّها نوع من “التعايش” أو “العيش المشترك”، لأنّ مجرد الإشارة إلى مثل ذلك دليل على عمق الهوّة التي تفصل بين فئات السكان، وهذا مخالف للوقائع التي تتناول تاريخ هذه المنطقة. ذلك أنّ معزوفة “العيش المشترك” قد بُعثت حيّة في الجنوب مع دخول الصهاينة للمنطقة.

        وهو ليس صدفة أيضاً لأنّ الذي قالها أي مصطفى سعد، هو أحد القادة الذين ينتمون فعلياً إلى جيلٍ جديد وُلد في لبنان في مرحلة الاستقلال وبلغ مرحلة نضجه عندما بدأ لبنان يدخل بشكل فعلي رحلة الانصهار الفعلي بين “جماعات” جرى ضمّها لتكون وطناً قبل أن يتوفّر لها قيادة سياسية على مستوى الوحدة الوطنية. أحد الظرفاء قال إنّ لبنان جرى تركيبه على أساس طبخة تشبه طبخة القهوة: قليل من البن، قليل من السكر وبعض الماء والحرارة إلخ. وهذا بدوره مخالف للتاريخ، وحسب قول البعض، للجغرافيا أيضاً.

        بعد أن أصبحت “القهوة” جاهزة، انبرى فريق يطالب بفسخ العقد الذي نصّ، في حينه، على أن يخفّف “بعض” اللبنانيين من حماستهم إلى الغرب، و”البعض” الآخر من حماستهم للعالم العربي، فيتقدّم هذا خطوة، وذاك خطوة مشابهة، ويلتقيان على نقطة، على مساومة، اسمها الصيغة اللبنانية القائمة على التعايش. وللحقيقة، فقد بدا منذ اللحظة الأولى أنّ فسخ العقد، هو بمثابة فسخ الصبي إلى نصفين. ومنذ بداية المحاولة، والعالم يتابع، باهتمام، مجريات الأمور في لبنان، لكي يتعرّف على أمّ الصبي الحقيقية، التي تحرص على سلامة هذا الذي اسمه الوطن، لبنان.

        قد تكون هذه الكلمة التي صرّح بها مصطفى سعد أحد الأسباب التي دفعت بأعدائه إلى محاولة اغتياله. وهذا ما تؤكّده الأحداث الجارية في صيدا وجوارها، بعد شهر على الانسحاب الإسرائيلي. فقد كان متوقعاً، حسب بعض الأوساط الغربية وبالأخص الإسرائيلية، أن “تثأر” صيدا لنفسها من القرى المجاورة، فيتخذ ذلك طابعاً طائفياً، وتستكتمل به إحدى حلقات التغيير الديموغرافي في لبنان، ويقتلع المسيحيون من المناطق التي يشكّلون فيها أقليّة، والمسلمون من المناطق المقابلة، بحيث تكون النتيجة المباشرة، على الأقل، تأمين جيش جديد من المهجّرين، قادر على حمل السلاح ومزوّد بكمية كافية من التحريض الطائفي، ضد “العدو” الذي يقيم على الضفة الأخرى، والذي سُرق منه البيت والحقل والعلاقات والذكريات الخ. لكن هذه التوقعات فشلت وخسر المنجّمون رهانهم، وحصل عكس ما كانوا يحذّرون منه. وجاء الاعتداء مرّة أخرى من القرى “المسيحية” ضد صيدا “المسلمة” حسب تعبير منجّمين آخرين.

        مع خطوط التماس الجديدة التي تفصل أيضاً بين الشطرين “الشرقي والغربي” من المدينة أو بين المدينة وشرقها، تبدأ فعلياً المرحلة التي بشّر بها مصطفى سعد. أي مرحلة القضاء على صيغة التعايش من أجل إقامة صيغة الوطن.

        خطوط التماس الجديدة ليست كسابقتها. إنّها هذه المرّة بين أوهام الحلول الوسط التي دافع عنها فرقاء لبنانيون وعرب أوروبيون، وحلول فعلية لا بديل لها من أجل إخراج لبنان من نفقه المظلم. إنّها خطوط تماس سياسية، بين بلد مرقع بفسيفساء الطوائف. ووطن ينبغي أن تكون التعددية فيه كإحدى مصادر ثروته لا كسبب احتياطي لانفجار القنبلة الموقوتة الموضوعة تحت رأسه.

        للحقيقة، بذلت صيدا ما في وسعها لمنع إقامة خطوط تماس مع ما يقع إلى الشرق منها، أملاً في أن يوفر “العيش المشترك” بعض الدماء والتضحيات، وفي أن يعود “الصبية” إلى رشدهم بعد أن تورّطوا بعلاقات مع الدولة الصهيونية. وجاء رد “الصبية” على لسانهم هم، بل من فوهات بنادقهم، واضحاً لا لبس فيه، يحمل ملامح من مشروع بشير الجميّل، و”خلفيته” حركة انتفاضة 12 مارس بقيادة سمير جعجع، ويقول الرّد بصراحة أنّ ما جرى ليس نزوة عابرة أصابت مراهقاً سياسياً، أو شاباً مغامراً، إنّها قرار واعٍ، مرتكز على تصميم ثابت على متابعة الخطة الانتحارية، “حتى آخر مسيحي في لبنان” حسب تعبير جوناثان راندال، الصحافي الأميركي، صاحب كتاب “حرب الألف عام”. إنّها قرار واعٍ، من قِبَل مَنْ نشأ في حضن حزب الكتائب حاملين شعاراته الثلاثة: الله، الوطن، العائلة. والظرفاء في لبنان يقولون أنّه لم يبقَ من هذه الشعارات شيء. في سلوك أصحاب المشروع الفاشي. فقد هتكوا ستر الدين بل الأديان، وشوّهوا مضامينها الإنسانية، واستخدموها للتحريض على دمار الطوائف ودكوا أُسس الوطن وهدموا أبنيته ومؤسساته، واقتصاده الخ. ولم يبقَ من العائلة الحاكمة في الحزب إلاّ الرئيس اللبناني، أمين الجميّل، وها هو الفريق المغامر، المقامر نفسه يقوم بانقلاب عسكري بواسطة الميليشيات، لا بواسطة الجيش. وقد نجح الانقلابيون في تحقيق بعض أهدافهم. غير أنّهم فشلوا في بعضها الآخر وعلى وجه الخصوص، الاستيلاء على القصر الجمهوري بالذات. وباتوا اليوم يحاصرونه من الخارج.

        رئيس الجمهورية وقع، بدوره، في أوهام الحلول مع أصحاب الرؤوس الحامية، أو أنّه، حسب قول المتفائلين، محرج، إزاء مَنْ هم من داخل البيت، ولا يريد أن يثير شماتة الشامتين. لذلك راح يطلب مهلة شهرين لكي يرتّب أوضاع بيته.

        لكن الانتفاضة لم تمنحه فرصة التقاط الأنفاس، فاجتمعت بآرييل شارون من جديد، وفي هذا دلالة كبيرة على نبش المشروع الكامن تحت الرماد. لكنّهم هذه المرّة يوقعون مع شارون اتفاق الرمق الأخير، بعد أن كسرت “ريشة” وزير الحرب الإسرائيلي، بل شوكته، وبعد أن ضغطت عليه عمليات المقاومة الوطنية، فراح يضع اللمسات الحزينة وهو على عجل. ورغم ذلك، فقد أصرَّ الانتحاريون على التعلق بأذياله وهو يفر باتجاه الحدود. لماذا إذن هذا الإصرار على الموت؟ ولماذا هذه “المثابرة” على قصف مدينة صيدا وتهجير بعض الأهالي من منطقة، لا أفق فيها لحياة مشروع طائفي فئوي بدليل سقوط المشروع الإسرائيلي فيها؟ إذن لماذا؟

        يجمع المعلّقون على أنّ الهدف من ذلك هو تحضير الأجواء لقيام ردّة الفعل التي توقعها المنجّمون في السابق، عندما خيّبت صيدا آمالهم، وأحجمت عن ارتكاب مجزرة سياسية بحق وحدة الوطن. ويجمعون أيضاً على أن من شأن ذلك أن يدفع بالمسيحيين نحو الشريط الحدودي ليشكّلوا متاريس بشرية تحمي الحدود الدولية بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة.

        الجديد في الأمر هذه المرّة هو أنّ الأسئلة التي اعتُبرت في السابق محرجة غدت اليوم عادية جداً وبسيطة جداً، والأجوبة عليها كانت فيما مضى غامضة، مترددة، مرتبكة، بين عواطف أم الصبي وصرخات المهجرين والمعذّبين. بينما الأجوبة هذه المرّة واضحة.

        إنّ خطورة المرحلة تتطلب من المقيمين في مناطق السيطرة “الجعجعية” وهم في معظمهم من المسيحيين، أن يختاروا بين مقاومة المشروع الانتحاري أو الإذعان له لأنّه لا مكان للسكوت أو للصمت. وإلاّ فإنّ الرحيل إلى الشريط الحدودي لن يكون الهجرة الأخيرة. بل سيكون محطة استراحة لرحلة جديدة تدفعهم إليها إسرائيل، والمقاومة الوطنية اللبنانية أيضاً. الأولى لأنّها ستستخدمهم هناك في أكثر الأشكال مذلّة، والثانية لأنّها لا تريد أن تبقي ذرّة تراب من الوطن تحت احتلال عدو أو خيانة عميل.

        هذا الكلام الخطير يصدر هذه المرّة على لسان المتعلقين من أهل الحل والربط. لذلك تتوقع الأوساط حدوث انفجار، بعد الانسحاب الإسرائيلي في مرحلته الثانية، وقد يشمل منطقة صيدا، وما تبقّى من إقليم الخروب وسوق الغرب. إذْ ذاك يصبح موقع الرئاسة الأولى بالذات أمام خيارين: إمّا مقاومة المشروع الفاشي “الجعجعي” أو الالتحاق به.

        إنّه على كل حال، خيار صعب، مواجهته أهل بيته سابقة خطيرة في تاريخ مَنْ يرون أنّ “أمنهم هو فوق كل اعتبار” والإذعان لهم يعني التخلّي عن موقعه في رئاسة الجمهورية، والأحداث لن تمنح الوطن تلك المهلة المطلوبة.

        والاجتماعات على قدم وساق، في بعضها تطبخ الحلول، وفي بعضها الآخر الخطط القتالية ولن يكون السباق مع الزمن إلاّ في مصلحة من يسيرون باتجاه حركة التاريخ، وداخل حدود الجغرافيا.