5 يوليو، 2022

الفرنسيون يدقون ناقوس الخطر

اليمين العنصري يدفع فرنسا إلى المنحدر

( عن اللوموند)

يشكّل النقاش حول مسألة المهاجرين أحد محاور السجال السياسي الدائر في فرنسا. لذلك ينبري عدد من المفكّرين والفلاسفة والقادة لمواجهة الخطر الذي يجسّده لوبن والعنصرية الجديدة في كونهما ينبشان من التاريخ قضية “يهودية” جديدة بعد القضية التي ابتدعها هتلر مبرراً بها كل ما اقترفه ضد شعبه وضد شعوب العالم.

        اليهود الجدد هم هذه المرّة المهاجرون الأجانب الذين يعيشون في فرنسا لا سيما منهم العرب وبالأخص عرب شمالي أفريقيا (تونس – الجزائر – المغرب)، وهم الذين يحمّلهم اليمين العنصري مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي تواجهها فرنسا.

        يبدو أنّ الصراع ضد العنصرية لا يكون ذا فعالية إلاّ إذا وصل إلى مستواه السياسي. وفي فرنسا يتجاذب هذا الصراع وجهتا نظر تتناولان مسألة الهجرة والمهاجرين وبالتالي فرنسا والفرنسيين.

        ففي نظر أخصام لوبن والعنصرية الجديدة تتبدّد الفروقات بين الفرنسيين والمهاجرين وتبدو الأُمّة بمثابة كيان يجمع في داخل حدوده كافة الذين يعيشون فيه، وتتأكّد هذه الوجهة في نظر هذا الفريق من كونهم، أي المهاجرين، لا يجدون مستقبلاً لهم إلاّ في فرنسا، أو بدون مصر، من كونهم اختاروا مستقبلهم فيها. الطريقة التي يلخّص فيها نيتشه وضعهم بقوله: “وطني ليس الأرض التي وُلدتُ فيها بل هي التي يولد فيها أطفالي”. وعلى هذا الأساس يصبح السبيل الوحيد لحل مسألة المهاجرين طبقاً للأعراف والقوانين الفرنسية هو في تأمين شروط انصهارهم كلياً داخل المجتمع الفرنسي.

        ولا تشكّل التمايزات والخصائص النوعية التي تمتلكها أيّة جماعة بشرية من الجماعات الموجودة في فرنسا أي انتقاص من وحدة المجتمع الفرنسي وتكامله وانصهار الجماعات فيه، رغم تمايزها. وحتى لو كانت تلك الخصائص عاملاً معيقاً فإنّ ذلك لا يبرّر اللجوء إلى الخيار الآخر القاضي بالقضاء على تلك الخصوصية أو باغتصابها أو بتزويرها.

        وإذا كان من الممكن أن يعيش في كيان واحد الإلزاسي (نسبةً إلى مقاطعة الإلزاس في شمالي فرنسا وهي التي اختلف عليها الفرنسيون والألمان) واليهودي والبروتستانتي والكاثوليكي والمهاجر الإيطالي والإسباني والبولوني فمن غير الجائز أن يستبعد البرتغالي أو المغربي أو الأفريقي أو أن يجري التعامل معهم على أساس استحالة التكيُّف معهم أو تكيُّفهم مع تعدّدية المجتمع الفرنسي.

        ليس قضية المهاجرين في الحقيقة مختلفة في جوهرها عن المسألة اليهودية أيام هتلر. يقول الفيلسوف سارتر عنها: إنّ للمهاجر الحق في أن يختار هذا البلد أو ذاك، هذه الثقافة أو تلك، وفي أن يختار لغته ودينه، يبقى علينا، نحن الفرنسيين، أن نجد السبيل إلى الاستفادة منه.

        لقد كانت المسألة اليهودية بمثابة حركة العداء للساميّة، المسألة المتعلّقة بالمهاجرين هي حركة عنصرية. وليس الفرق بينهما إلاّ في احترام كل أقليّة لتراثها وتقاليدها ويبقى ذلك شأنها وحدها. أما الفرق الأهم والأخطر فهو الذي تقيمه السلطة ويحميه القانون.

        وإذا كانت فرنسا، حسب الدستور، كياناً حراً لمواطنين أحرار فمن الضروري أن يتاح لأي شخص مجال الانصهار فيه بدل مطالبته باستجداء شرف الانتساب إليه. وحين ندعو المهاجرين إلى الانخراط كلياً في مجتمعنا، وإلى أن يصبحوا مواطنين فرنسيين، وفي أن ينتموا انتماءً غير منقوص للجماعة التي يعملون معها ويعيشون في كنفها، فإنّنا نؤمّن في ذلك شروط التخلُّص من مخاطر التفكُّك الاجتماعي والسياسي الذي يهدّدنا.

        ليس مصير المهاجرين معزولاً عن مصير هؤلاء الفرنسيين وقدرهم. فكلاهما يشكو من صعوبة العيش المشترك، لكن تلك الصعوبة ليست سوى وهم مصطنع يقوم على الشعور بعدم الأمان. وكلّما ارتفعت الجدران بيننا، كفرنسيين، وبينهم، كمهاجرين، وكلّما ازدادت شقة الخلاف والنفور فإنّ مرض كره البشر والعنصرية سيمزقان الخلية الاجتماعية التي تضمّنا ويصبح من غير الممكن إذْ ذاك تأمين العيش المشترك حتى بين الفرنسيين. من هنا ينبغي أن نقولها صراحة وبصوتٍ عالٍ أنّ لوبن (زعيم اليمين العنصري) يعمل على تقهقر فرنسا.

        تظهر الأفكار حول المشاعر الوطنية بمثابة خطب كاريكاتورية تشوّه وجه فرنسا. فتحت شعار الوطنية تجري عملية التحريض على المهاجرين، وتتم، بالتالي، عملية تفكيك المجتمع الفرنسي. ولا يقتصر ادّعاء الوطنية على فريق دون آخر فكل حزب من الأحزاب يدّعي أنّه هو الذي يجسّد الأصالة الوطنية فتتحوّل الوطنية إذن إلى نوع من الأنانية، وهذا ما يشوّش صورة الارتباط بالوطن عند أفراد الشعب، ويغذي الأفكار المناقضة لتلك التي قامت عليها الثورة الفرنسية عام 1789.

        على أنّ المسألة الأساسية هي كيف تستخدم مسألة المهاجرين في المعركة الانتخابية الراهنة في فرنسا، حيث يبدو من الخطورة أن يقتصر السجال حول العنصرية على كيفية الاستفادة من مخاوف الفرنسيين من العنصرية والنازية لكسب مزيد من الأصوات. المسألة، كما نعتقد، أبعد من ذلك. إنّها تتعلق بمستقبل الدور الذي اضطلعت به فرنسا منذ وقت طويل والذي يبدو اليوم مهدَّداً بضربة توجّهها إليه العنصرية.

        ولا يجوز لنا، ونحن نقاتل لوبن، أن لا نتغاضى عن مساوئ الحكومة الاشتراكية الحالية، وإلاّ فإنّ موقفنا من العنصرية يتحوّل إلى مجرد دعاية انتخابية.

        وإذا كان سارتر قد قال في السابق أنّه لا حرية لفرنسي إذا لم يتمتع كافة اليهود بحقوقهم كاملة، فإنّ هذه الكلمة ضرورية اليوم أيضاً بل ويمكن تعديلها، لتأكيدها، بالقول أنّ المهاجرين هم قدرنا وأنّ الفرنسيين سيبقون في ظروف سيّئة طالما بقيت مسألة المهاجرين قائمة. والحل الوحيد يقضي بإزالة الفروقات القانونية بين الفرنسيين والمهاجرين.

        ” إنّ النضال ضد لوبن هو النضال للخروج من الأزمة” ذلك هو الشعار الذي رفعه أحد الأحزاب الفرنسية مستنداً إلى تحليل بسيط يعتبر أنّ نمو اليمين العنصري المتطرف هو دليل قاطع على وجود أزمة على المستويين السياسي والاقتصادي، وأنّ دعاية لوبن تقوم على جذور الأزمة تلك.

        تقول إحدى وجهات النظر أنّ ظاهرة اليمين العنصري مسألة عابرة مرتبطة بالصراع السياسي القائم وهي من إفرازات سياسة الحكومة التي نشأت الأزمة في ظلّ سلطتها. وتواجهها وجهة نظر أخرى ترى في حجم القاعدة الانتخابية الواسعة نسبياً والتي يتمتع بها اليمين العنصري ما يبرّر صعود ظاهرة لوبن. لكن الفرنسيين يذكرون جيداً كيف نشأت النازية في ألمانيا من قاعدة شعبية واسعة من الفئات المتوسطة كما كانت الحال أيضاً في الفاشية الإيطالية بين الحربين. وبالتالي يصبح الاكتفاء بالسجال السياسي بين القوى المتنافسة في فرنسا نوعاً من التهرب من حل أزمة قد تقود البلد إلى ما وصلت إليه ألمانيا وإيطاليا آخذاً بالاعتبار المستجدات الدولية.