5 يوليو، 2022

انتقــام التـاريـخ

        ” الخطر الدائم من وقوع الحرب، الأزمة الاقتصادية، تلك هي أوضاع المجتمعات البشرية الحديثة”. بهذه العبارة يحاول تييري دو مونبريال أن يقدّم المجتمع الحديث، معتبراً أنّ من الأعراض الطبيعية لعالم اليوم أن يبقى التوتر مشدوداً بفعل خطر اندلاع حربٍ ما، وبفعل الأزمات الاقتصادية التي تستهلك أوقات الناس وأعصابهم وجيوبهم.

        المؤلّف كان أول مدير لمركز الدراسات والأبحاث في وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية، قبل أن تتحوّل إلى وزارة للعلاقات الخارجية، وهو أستاذ في مدرسة التكنولوجيا، ورئيس الدائرة الاقتصادية فيها والمدير المؤسّس للمؤسّسة الفرنسية للعلاقات الدولية.

        والكتاب “انتظام التاريخ” ينطوي على أفكار طموحة، وتتناول موضوعاً شبق أن تناوله الفيلسوف الراحل ريمون آرون. ويشير الكاتب في مقدّمته إلى تأثير هذا الأخير في تكوينه الفكري، خاصة وأنّه تتلمذ عليه في مجالي الفلسفة وعلم الاجتماع السياسي، بالإضافة إلى تأثُّره بأستاذ آخر هو توكفيل. أمّا العنوان فقد اختاره ليعبّر من خلاله عن الفكرة الأساسية وهي أنّ التاريخ يعود إلى أصوله، ويعني بذلك أنّ هاجس الحرب والأزمة الاقتصادية هما جزء من التاريخ البشري، بل من أصوله الأولى.

        من هنا يقدّم لنا مونبريال إضاءة أولى للوضع السياسي والستراتيجي في عالمنا المعاصر، وإضاءة ثانية للأزمة الاقتصادية التي تعصف به في الوقت الراهن. وهو يقدّم، بالإضافة إلى ذلك، إشارة فلسفية تتناول مسألة استقرار المجتمعات الإنسانية ومأزق الإصلاح – الثورة الذي يشكّل الجانب الأساسي من هذه المسألة.

        ينطوي الكتاب على “نظرة فلسفية – اقتصادية” يتناول من خلالها طبيعة الأزمة الراهنة والحلول الممكنة لها. وقد استوقفت أفكاره كثيرين من متتبعي هذا النوع من الدراسة، نذكر مكنهم: ريمون بار رئيس الوزراء الفرنسي في العهد الرئاسي السابق، وأندريه فونتين الصحافي المختص بالشؤون الاقتصادية في جريدة لوموند الفرنسية. ويمكن التوقف عند الأحكام التي يقدّمها الكاتب حول الأوضاع السياسية والستراتيجية في العالم المعاصر عامة وفي فرنسا بنوعٍ خاص. كما يمكن التوقف عند التصورات الفلسفية عن “مستقبل التاريخ”.

الكلـب والهـر

        إنّ أفكاره، بشكل عام، ذات طبيعة أفلاطونية. فهو يميل إلى تنظيم عقلاني ويتبنّى فكرة “المراحل”. غير أنّه لا يرفض كلياً فكر الفيلسوف الألماني هيغل، ولا يستخف بتأثير الإرادة البشرية ودورها، أي بتأثير الشخصيات “التاريخية”. ومن هنا فهو يلاحظ بدقة التغيرات التي لا تُرى والتي تحصل “بشكل بطيء” ويفسّرها معتمداً على تجربة الهر والكلب، ومفادها أنّ جمهوراً عادياً يستعرض عشرين صور، الأولى تمثّل كلباً وكل صورة تليها تحمل تحويراً بسيطاً بالنسبة للأولى، بحيث تمثّل الأخيرة صورة هر، إنّ هذا الجمهور لا يكتشف هذه التحولات إلاّ مع الصورة رقم 16.

        من وجهة نظر المؤلّف تعتبر الولايات المتحدة سيدة اللعبة في هذا العالم ومع ذلك فهي تستمر خاضعة للتهديد الدائم باندلاع حرب وأزمات اقتصادية، في حين غابت هذه الحقيقة عن البال بفعل “مخدّر” الانفراج الدولي وأسطورة السلام المجاني.

        كما يبدو في نظره أنّ النظام العالمي يعمل على أساس مبدأ التوازن الذي لا يعبّر عن غياب القوى المتصارعة بل عن حضورها ولكن ملجومة، بفعل التوازن. وفي إطار كلامه على القوى المتصارعة يخصّص فصلاً كاملاً عن موضوع الطاقة ويخلص إلى ضرورة اليقظة والحذر خشية أن يسقط العالم في خطر الفاقة، بسبب أخطاء في أشكال الاستثمار ووجهته.

أوروبـا – أميـركـا

        ويرى مونبريال أنّ اليوم الذي سيتلقّى فيه عالم ما بعد الحرب الثانية تحوُّلاً كارثياً هو يوم آتٍ لا محالة. ومن وجهة نظره، فإنّ أربع صيغ سيناريو يمكن أن تكون محتملة: سقوط الجبّارين، دخولهما معركة مباشرة أو مفاجئة، دخول عوامل جديدة، متوسطة التأثير، في المعادلة، ومنها على سبيل المثال الصين، الهند، اليابان، والاحتمال الرابع انتقال التوازنات وتجسّدها في أُطر وبُنى جديدة، وهو الاحتمال الذي يطلق عليه صفة التحوُّل البطيء، ويعتقد أنّ مساحة تجلّيه ستكون في بلدان العالم الثالث، دون أن يستبعد أوروبا من لعب هذا الدور لأنّ الحلف الغربي ينطوي على تناقضات قد تسمح بتمدُّد النفوذ ألأوروبي وتقلّص الأميركي.

        أمّا عن التهديدات العسكرية فإنّ الكاتب يرى أنّه لا يجوز الاحتكام إلى نوايا الخصم بل إلى مقدرة الشركاء – الحلفاء وإرادتهم في استخدام طاقاتهم. وفي تقديره أنّ الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها في المعسكر الغربي قد فقدوا إرادتهم على استخدام ما يملكونه من وسائل وإمكانات. ويضرب مثلاً على ذلك “الحساسية النووية” التي تنمو في الأوساط الغربية وتؤدي إلى نشوء “أزمة في مجال القوة الرادعة”.

        يؤكّد الكاتب، في أماكن أخرى من مؤلَّفه، على أهمية “أسلحة المراقبة” وحين يعرّج على موضوع المفاوضات حول الشرق والغرب يرى أنّها تملك حيزاً كبيراً من الاستقلال الذاتي، معتبراً أنّ قيمتها الأصلية هي في تقليص مخاطر الحرب المفاجئة، وفي الحد من سباق التسلُّح. إنّ الكاتب يسلّط الضوء بشكلٍ أفضل عندما يتناول موضوع أسلحة المراقبة ودورها في أوروبا، ولا سيما في مجال الحد من النفوذ السوفياتي في القارة، وفي مجال الانفراج الدولي الذي يجد معناه الحقيقي في ظل هذه الأسلحة، وفي مسألة الوحدة الألمانية وانصهار هذه الدولة في محيطها الأوروبي.

الدوائـر الثـلاث

        أمّا بصدد الوضع الستراتيجي الذي ينبغي أن تحتلّه فرنسا في هذا العالم فإنّ الكاتب يلجأ إلى تحليل على أساس مشكلية “الدوائر الثلاث” أمّا الأولى فهي دائرة “الحرم”، وبإمكان فرنسا أن “تلعب فيها دوراً مزدوجاً، يدور في جانب منه على استراتيجية نووية مستقلة، وفي الجانب الآخر على انتماء عضوي للتحالف”. ذلك أنّ الولايات المتحدة تملك من القوة، وألمانيا من الارتباط بها بحيث أنّ هذا الموقف الفرنسي لا يؤثر كثيراً على الكتلة الغربية ولا يضعفها.

        ومن جهة ثانية يبدو أنّ الفوارق بين نظام الدفاع النووي والنظام الستراتيجي تتجه نحو الزوال، وتبدو هذه الملاحظة مؤكّدة على المستوى العسكري وإن بدت غير مؤكّدة على المستوى النفسي البسيكولوجي. من هنا لا يخفي الكاتب انحيازه إلى الرأي القائل بضرورة الدفاع، وبالوسائل النووية عن كل متر مربع من الأرض الفرنسية.

        في حديثه عن الدائرة الثانية، الدائرة الأوروبية يبدو تييري دو مونبريال أقل حزماً وجذرية، وإنْ حافظ على نزعته في الإصلاح ضمن أُطر السوق الأوروبية المشتركة التي شارك في أعمالها عام 1983. وبرأيه فإنّ أوروبا “السياسية” ينبغي أن تتحوّل إلى أوروبا عسكرية بالاستناد إلى المحور الثنائي فرنسا – ألمانيا. غير أنّ هذه الفكرة تتعارض مع تيار واسع ينتشر في أوروبا ويطالب بإعادة القارة، أو بالأحرى الجزء الغربي منها، إلى صيغته السياسية وعدم التورط في المتاهات العسكرية، أو بتقسيم أوروبا الغربية إلى عدة “طبقات” أو مستويات، أو درجات من السرعة. وعلى أساس وجهة نظره هذه يصر الكاتب بحزم على عدم إدراج القوة النووية الفرنسية في المفاوضات النووية بين الشرق والغرب.

        الدائرة الثالثة هي التي تتناول العالم الثالث، وهي الأكثر أهمية، والتي يشاطره الرأي حول أهميتها معظم الباحثين، وفي هذا المجال بإمكان فرنسا أن تلعب دوراً مؤثراً وبارزاً بتنسيق قوّتها السياسية والعسكرية، أي بتعاون العسكري والدبلوماسي، وهما الشخصيتان اللتان تقوم عليهما الأُمّة. ويظهر أنّ السياسة الفرنسية الخارجية الراهنة تقوم على أساس هذا المفهوم، وهذا ما يفسّر نزوع الحكومة الفرنسية إلى التدخل حين تسمح الظروف الجغرافية، فيصوغ قاعدة التدخل على الشكل التالي: “إنّ كل تدخُل خارجي ينبغي أن يكون استجابة لحاجة مشروعة ومطلباً تصرح به الجهات المعنيّة في المنطقة”. وذلك لكي يكون التدخُّل مبرَّراً أمام الرأي العام العالمي والمحلي.

استراتيجية مكلفـة

        وفي نهاية المطاف يعرّج تييري دو مونبريال على موضوع عزيز عليه يتعلّق بتنظيم العالم الغربي استعداداً للتدخل ولإدارة الأزمات في العالم الثالث، وفي هذا السياق، يستعيد فكرة “كتلة الأُمم الكبيرة”، مستبعداً تعميم موقف الحياد وتوسيع أُطره الدولية لأنّ من شأن ذلك أن يُضعف المبادرات التكتيكية التي توفرها العلاقات والنشاطات الدبلوماسية.

        الترجمة الاقتصادية لهذه الأفكار تؤكّد على أنّ دمج الخطة الدفاعية والخطة الردعية تكلف غالياً مما يفرض تأمين التكاليف الاقتصادية بشكلٍ مسبق، على مستوى فرنسا وأوروبا، لا سيما وأنّه، أي الكاتب، متفائل جداً بالمستقبل التكنولوجي للمعسكر الغربي، وحريص جداً على اعتقاده بأنّ “كل نظام لا يتطور مهدّد بالانهيار”.

        تييري دو مونبريال مثل أستاذه ريمون آرون، يظهر في هذا الكتاب ليبرالياً حقيقياً، ومصلحاً جريئاً، ومتنوراً يتوزّع بين التفاؤل والتشاؤم، تفاؤل الإرادة، وتشاؤم الفكر، حسب التعبير الذي يفضّله.