5 يوليو، 2022

في ظلّ سلطة الجيل الرابع

الهند إلى أين؟

        الهند بلد يحتل موقعاً هاماً على الخارطة السياسية والعسكرية العالمية. رابع جيش في العالم. ثاني كتلة بشرية بعد الصين، من أكثر بلدان العالم الثالث تطوراً، ومن أكثر البلدان استعداداً للتضحية أمام الكوارث الطبيعية، ربما يكون ذلك بسبب كثافة السكان. وفيه تجتمع أعداد هائلة من الطوائف والإثنيات والمذاهب. وقد يكون البلد الذي احتضن لأطول فترة ممكنة نظاماً ديمقراطياً “بالوراثة”، أو أنّ الوراثة، وهي من زمن ساق على قِيَم الديمقراطية، استمرت تحمل معها بعض القِيَم والزعامات دون أن تمسّ قِيَم العالم الجديد أو تهدّدها.

        راجيف غاندي هو الحفيد الرابع، والدته أنديرا، الابنة الوحيدة لجواهر لال نهرو، وجدّه كان قد ورث الزعامة عن والده موتيلال. وبهذا الزعيم الشاب قد تختتم العائلة سلالتها ذات الأصول الاقطاعية، وبه قد تبدأ الهند والعائلة تاريخاً جديداً، رغم أنّ مجيئه لم يكن بمثابة انقلاب ولا على أساس شعارات انقلابية، بل شكّل انتخابه استمراراً للقِيَم والشعارات والمبادئ التي أطلقها أجداده وطوّرها الورثة ممّن أداروا سلطة البلاد.

        العمود الفقري في القِيَم الموروثة هو العلمانية من جهة والديمقراطية من جهة أخرى. وباسم هاتين القيمتين تمكَّن جدّ العائلة من أن يكون زعيماً وطنياً وتمكَّن أحفاده من الاستمرار في قيادة الهند. دور راجيف غاندي في هذا المجال أضعف قيمة من دور المؤسّسين، والسبب بسيط. ذلك أنّ شجاعة من يمتطي صهوة الديمقراطية وينادي بالعلمنة في القرن الماضي وبدايات هذا القرن، في بلدان العالم الثالث، هي، في الحقيقة شجاعة منقطعة النظير وتصل إلى حد التهور، لكونها تهدّد القِيَم الراسخة الوطيدة الممتدة في ذاكرة التخلُّف عهوداً إلى الوراء. بينما يُعتبر اليوم “تهوُّراُ معاصراً” محاولة الارتداد على هذه القِيَم ومعاندة المشي إلى الأمام.

        راجيف غاندي يشكّل قطعاً مع الماضي، لا بما يحمله من شعارات وقِيَم، بل بالجيل الجديد الذي يمثّله، والذي لا يربطه مع الماضي الاقطاعي إلا قوانين السلالات والبطون والأفخاذ وبعض أعراض التخلُّف، في وقتٍ تُعتبر فيه الهند إحدى الدول المتطورة في المجال الصناعي، قياساً على دول العالم الثالث طبعاً، وفي وقتٍ تحوّلت العلاقات الاقطاعية فيها، دون أن تنقرض، ليسود بديلاً عنها نمط آخر من العلاقات وطراز آخر من الإنتاج الرأسمالي الذي بدأ يظهر إلى النور، في الهند، مترافقاً مع تنامي سلطة العائلة ومع بروز دورها في مقارعة سلطة الانتداب الإنكليزي ثم في وراثة هذه السلطة، أي مع تحرير الهند ثم النهوض به من أعماق التخلُّف والفقر والمرض والجوع.

تجديد الشعارات القديمة

        والحقيقة هي أنّ أعراض الماضي لم تزل موجودة لأنّ الطموحات والأماني لم تكن يوماً على مستوى الأمر الواقع، فالحلم أوسع من الحقيقة، ومن صفاته أن يحلّق بينما الحقيقة مشدودة إلى الواقع. في بداية هذا القرن كان الحديث عن قانون مدني ومجلس للنواب وحريات ديمقراطية وانتخابات إنجازاً حضارياً عظيماً في حين أنّ التوقف عند هذا المستوى من المطالب والمتطلبات يُعتبر خيانة لمسيرة التاريخ.

        التحديات التي تعترض راجيف غاندي كثيرة وكبيرة. منها أنّه حصل على أكبر أغلبية في تاريخ الهند المعاصر مما يرتب عليه الكثير من التبعات والمسؤولية، بحجم الأغلبية التي أيّدته على رأس السلطة في الهند. لكن ما يسهّل مهمته هو غياب المعارضة الفعلية، أو تقلُّص  دورها ونفوذها إلى حدود الأقاليم والمقاطعات دون أن تتجاوز حدود الدوائر الانتخابية ودون أن تجتاز الحواجز نحو دور ذي طابع وطني. أكبر أحزاب المعارضة قدم، في الانتخابات التشريعية، 225 مرشحاً لعدد مضاعف من المقاعد (515 مقعداً) بينما قدم الحزب الثاني مئة وتسعين والثالث مئة وأربعة وخمسين. جبهة الصراع مع المعارضة هي، إذن، جبهة باردة لا تشكّل خطراً. لكن الوجه ألآخر لحالة الهدوء هذه هو متطلبات المسؤولية نفسها: إلى أين سيذهب بالهند بعد موت والدته؟

التعصُّب الطائفي موجة خطيرة

        التحدي الثاني ناتج في الحقيقة عن تفاقم الموجات الطائفية والمذهبية على المستوى العالمي. وقد كانت حصة الهند منها كبيرة. وهل أكبر من أن تدفع “سيّدة” البلاد حياتها ثمناً؟ مع أنّ “السيّدة الشهيدة” تتحمّل بعض المسؤولية فيما حصل، وبالتحديد في قضية اغتيالها، فإنّ عاصفة من التعصُّب الطائفي والديني تجتاح الكرة الأرضية، وتجتاح إذن إنجازات السلالة الديمقراطية الحاكمة، وبالتحديد نهجها القائم على العلمنة وعصرنة البلاد على أُسس الحريات المعمول بها في الدول الديمقراطية الأوروبية. إنّه تحدي إعادة الاعتبار للوطن على حساب طوائفه، وللوحدة على حساب التشرذم والاقتتال. وقد ازدادت هذه التحديات خطراً على الدور المقبل لزعيم البلاد، بعد أن وصمت المعارضة حزبه وشخصه بالطائفية والتعصُّب للهندوس ضد الطوائف الأخرى، لا سيما السيخ. وإنْ لم يكن هذا التحريض الإعلامي، ذو الدوافع الانتخابية صحيحاً، فإنّ ما لا يمكن القفز عليه قتل أكثر من ألفين من طائفة السيخ انتقاماً لمقتل السيّدة أنديرا، ولم يحاسَب المنتقمون على فعلتهم.

        راجيف غاندي هو اليوم أمام نظام متماسك في الظاهر لكنّه كثير التشقق والتخلُّع في الحقيقة. ولم تكن الهند مهدّدة بالتفتت مثلما هي اليوم. ولم يتمكّن الزعيم الجديد من تنظيم انتخابات في مقاطعتي البنجاب وأسام، مع أنّه فرض عليهما حالة طوارئ وحكماً عسكرياً. والخطأ التاريخي هو ذلك الذي ارتكبته أنديرا، يوم اقتحمت بجيشها معبد الذهب، في يونيو 1984، ولم يكن الخطأ في مبدأ الهجوم فحسب، بل في أشكال التنفيذ التي حوّلت الخطأ إلى خطيئة. ويخشى على راجيف من أن يكون قد ورث مع تركة الحكم بعض مخلّفات هذه الخطيئة، ونعني اثنين من رموز قرار الاقتحام: آرون سنغ وآرون نهرو.

تركة صعبة ومستقبل أصعب

        بالإضافة إلى ذلك، تعتبر التركة “الإرهابية” كبيرة. وقد لحظها أحد الصحافيين بما يلي: سياسة الإرهاب البوليسي على صعيد واسع ضد فقراء الريف، تعميم سياسة الإجرام السياسي، التشريع للفساد، تعطيل دور البرلمان.

        وإلى جانب هذا الإرث الصعب، على المستوى السياسي، تواجه الهند اليوم صعوبات على المستوى الاقتصادي. يكفي أن يكون سكان الهند قد تكاثروا وزاد عددهم 250 مليوناً خلال عشرين عاماً. وأنّ أكثر من نصف السكان البالغ 730 مليوناً لا يتجاوز دخل الفرد منهم عشرة دولارات، وأنّ حوالى 100 مليوناً يعيشون تحت عتبة الفقر (أربع دولارات للشخص الواحد في الشهر) وتقدّر الإحصائيات أنّ عدد العاطلين عن العمل سيصل إلى حدود 40 مليوناً.

        الأشهر الأولى من ولايته لا تبشّر بالقطيعة مع الماضي وبالانطلاقة الجديدة التي وعد بها. فلا جديد على مستوى الإصلاح السياسي، ولا في العلاقة مع السيخ ولا في العلاقة مع باكستان الخ. إذن يخشى من أن يشكّل عهد راجيف استمراراً، أي خيبة أمل للذين تطلّعوا إلى هند جديدة على يد جيل جديد.

        الخطوة الأولى تحدد هوية المشوار. فهل يتمكن راجيف من تحديد موعد جديد لانطلاقة الهند كما ينتظرها مَنْ علَّقوا آمالهم على الجيل الرابع من عائلة السلطة وسلطة العائلة؟