1 يوليو، 2022

هل يبدأ الحزام الأمني من صبرا وشاتيلا

        كثيرون فوجئوا وامتعضوا عندما رنت في أسماعهم الأسماء ذاتها التي حملت المآسي وهي اليوم تذكّر بها. وكثيرون استاؤوا من المعارك التي دارت حول مخيّمَيْ صبرا وشاتيلا ومخيم برج البراجنة، بصرف النظر عن “الروايات” التي يمكن أن يتوصّل إليها التحقيق العادل الذي قد تجريه لجنة كاهان عربية، أي تلك الجهة المستحيلة.

        يعرف المراقب كم أنّ المسافة كبيرة بين صبرا وشاتيلا في سبتمبر عام 1982 وبينهما في مايو 1985. بين التاريخين تقهقرت الصهيونية ولملمت عن تراب لبنان أشلاء ضحاياها، بل أشلاء مشروعها، بعد أن أتعبها ذلك العمل الشاق، على طريقة الرعاة، وهي تحصي كل مساء، جنودها حتى لا تفقد منهم أحداً وحتى لا تحمل في اليوم الثاني جثة جديدة. كما أنّ بين التاريخين قائمة من الأحداث البالغة الأهمية في تأثيرها اللبناني والعربي والدولي؛ منها سقوط الحلم الإسرائيلي في أن يكون لبنان البلد العربي الثاني بعد مصر الذي يمضي في طريق الصلح معها، وليس أمراً بسيطاً أن تخرج إسرائيل باستنتاج أساسي يقول بأنّ لبنان غدا “آخر بلد يمكن أن يتاح لنا توقيع معاهدة السلام معه”. على حد اعتراف (لوبراني) نفسه إلى إذاعة تل أبيب، وهو الذي كان يحلم بمتابعة وظيفته كمفوض سامٍ في لبنان.

        وبين التاريخين سقط بيغن وبشير الجميّل وألكسندر هيغ، وها هو المشروع المتصهين في لبنان يترنّح وهو يعلن استعداده لأن يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن لفظ البلد رموز الخطة الطائفية واحداً تلو الآخر وما يزال يستكمل ذلك.

        وبين التاريخين ما لا يحصى من هزائم العدو وانتصارات القوى الوطنية اللبنانية والعربية، رغم ما يشوب هذه اللوحة أحياناً من صور قاتمة.

        غير أنّ كل الأحداث التي مرّت على لبنان لم تكن ولن تكون كافية لأن تطوي صفحة الذاكرة على أسماء كثيرة تختزن أحداثاً وعِبَراً ودروساً ومآسي، ومن بين تلك الأسماء صبرا وشاتيلا.

        أحداث اليومين الأخيرين في هذين المخيمين هي طبعاً، من طبيعة أخرى. إنّها اليوم بين أطراف ناضلت كتفاً إلى كتف ضد حلف العدو الصهيوني، ودفعت جنباً إلى جنب ثمن الإجرام الكتائبي في المخيمين. إنّها هذه المرّة بين لبنانيين وفلسطينيين امتزجت دماؤهم فيما مضى دفاعاً عن قضية واحدة، وها هي دماؤهم اليوم تسيل في مجراها الأعوج.

        كان مقدّراً بعد الأحداث التي شهدتها العاصمة اللبنانية بيروت خلال الشهرين الماضيين أن تمتد الاشتباكات إلى قلب المخيمات استكمالاً لمعارك لم تبدأ، في الحقيقة، من بيروت هذا العام، بل في منطقة البقاع منذ عامين بين المؤيدين لياسر عرفات ولمعارضين لسياسته. فقد توقع المراقبون أن تستكمل اللوحة السياسية العسكرية نفسها على الساحة اللبنانية بتعزيز تحالف يضم بين صفوفه القوى الأقل ارتباطاً بالنهج الطائفي، أيّ قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية المؤلَّفة من أحزاب تقدمية بقيادة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وحركة أمل بقيادة نبيه برّي وشخصيات سياسية بيروتية. غير أنّ ما أربك العملية هو امتناع الشخصيات السنيّة عن الانخراط في هذا التحالف مفضّلة الاستمرار في أوهام وأحلام حول الشرعية التي فقد معظم اللبنانيين الأمل بها نهائياً وها هم يبحثون بشكلٍ جدي عن شرعية بديلة.

        ما كان متوقعاً أن يحصل بين أنصار عرفات وخصومه داخل المخيمات لم يحصل، بل حدث، على العكس من ذلك، تجسيد للوحدة “القومية” الفلسطينية التي جمعت الصفوف على كافة المستويات وبكافة التيارات والاتجاهات ضد الخطر الخارجي الذي يتهددها على أطراف المخميمات.

        رئيس اللجنة التنفيذية في حركة أمل السيد حسن هاشم طالب بتطبيق الاتفاقات اللبنانية الفلسطينية المعقودة عشية خروج منظمة التحرير من لبنان؛ إنّه يلخص المسألة بكل بساطة، فيفلت الكلام من بين شفتيه دون رقابة، ربما لأنّه حديث العهد في مجال التصريحات اليومية والكلام السياسي والدبلوماسي. فالحلقة الغائبة عن التصريح هي أنّ المتغيرات ما بين مجزرة صبرا وشاتيلا ومعارك صبرا وشاتيلا كثيرة، وأنّ ما تمَّ التوقيع عليه يوم اجتياح الصهاينة للعاصمة بيروت لا يمكن تنفيذه عشية اندحارهم من الأمتار الأخيرة من الأراضي اللبنانية، وأنّ ما استعصى تنفيذه على الأعداء لا يجوز تنفيذه على أيدي الأصدقاء.

        بعض الأوساط تنيط المسؤولية بمؤيدي ياسر عرفات لا لكونه أوعز إليهم أو سرّب إليهم أمر مهمة، بل لأنّه ترك في لبنان، من خلال سلوك مؤيديه أطناناً من مشاعر الامتعاض والاستياء حتى من قِبَل الذين كانوا يقاتلون معه بكل شرف وتضحية ولكن بكل أسف وتحسُّر على نهج شوّه العلاقة بين أبناء الخندق الواحد. فهل ما يجري اليوم محاولة للثأر مما مضى، وعلى نفس الطريقة من القمع؟ وهل أنّ ما يقال عن “استبداد” عرفاتي بحلفائه يعاد اليوم إلى سكان المخيمات استبداداً مضاداً؟ على كل حال عالج السيد ياسر عرفات إلى مطالبة الرأي العام بالتدخل، وغمز من قناة سوريا.

        في معارك الشهر الماضي مع المرابطون كادت حركة أمل أن تخسر معركة عسكرية محتّمة لولا النجدة التي قدّمها لها الحزب التقدمي الاشتراكي وبعض القوى الأخرى، وهذه المرّة خسرت مرّة أخرى ثم جاءت النجدة من اللواء السادس في الجيش اللبناني، مما يشير إلى أنّ الدور الذي تحاول أن تضطلع به يبدو أكبر من حجمها، ويخشى البعض من كون ذلك بمثابة فخ تتهيّأ حركة أمل للوقوع فيه فريسة سهلة لأحلام مستحيلة.

        يبدو مؤكّداً أنّ هذه الأحداث لا تنفصل عمّا يطبخ من حلول في العواصم العربية والعالمية، وهي ترتبط بطرف علاقة مع الدور العام الذي تضطلع به حركة أمل خارج العاصمة بيروت، حيث صرح زعماؤها في الجنوب دون أي التباس أنّهم لن يسمحوا للأوضاع الماضية في أن تعود، والأوضاع في نظرهم هي الأطراف والقيادات وبرامج العمل والأُطر القيادية التقليدية والحديثة والقوى اللبنانية والفلسطينية ممن عداهم، وقد وصل الأمر في هذا الشأن إلى حد التصدي لأسلحة المقاومة الوطنية اللبنانية التي ما تزال مستمرة في توجيه الضربات البطولية إلى العدو الصيوني، والتصدي إلى صور الشهداء المعلّقة على الجدران في الجنوب، حيث تجنّد الشعارات من عناصر الحركة لتمزيق الصور ومنع الشهداء من أن يأخذوا مكانهم أمام المارّة!؟ ربما لأنّ مكانة الشهداء أسمى بكثير. إنّهم في قلوب شعبهم.

        شلت قائمة الممنوعات أي سلاح آخر غير سلاح الحركة بما في ذلك السلاح الفلسطيني داخل المخيمات. وهذا ما يجعل المراقبين يربطون بين هذا السلوك والأحداث في مخيّمي صبرا وشاتيلا وغيرهما. وقد وجّه بعض أصدقاء الحركة تنبيهاً إلى القيادة من أن تعاجل الدولة الصهيونية إلى الدس فتعتبر أنّ ما جرى في المخيمين عام 1985 هو أكثر فاعلية من المجازر وأجدى نفعاً لسلام الجليل وأكثر تحديداً لحدود الحزام الأمني الإسرائيلي التي قال عنها آرييل شارون أنّها حدود سياسية وليست جغرافية.