1 يوليو، 2022

الخطاب الضائع

5-3-2012

حبيبتي الدولة

ربيع سوريا كان الحاضر الأكبر في احتفال البيال ، في 14شباط، وهو الحاضر الأكبر دائما في خطابات الفريق الآخر بمناسبة وبغير مناسبة. إن دل ذلك على شيء فعلى أن سياسيي الطرفين عازمون على المضي في إدارة الأزمة اللبنانية فحسب، أي على الاكتفاء بإدارتها من دون البحث عن حلول لها ، ولو مؤقته، وذلك إما عن جهل منهم أو عن  تجاهل.

التجاهل تآمر ضمني من قبل كل طرف على جمهوره وعلى مستقبل الوطن ، أما الجهل فينطوي على مخاطر، قد لا تكون مقصودة، تزج البلاد في الحروب وتبقي الأبواب موصدة أمام الحلول .

التركيز على أهمية الربيع العربي، من ليبيا إلى البحرين وصولا إلى سوريا ، مرورا بمصر واليمن، هو تأكيد على اعتقادهم  بأن عجلة الحل النهائي المحلي مربوطة بأزمات المنطقة كلها ، ولا سيما بالقضية الفلسطينية والنزاع الدولي الإقليمي على النفوذ والثروات، ولذلك لا يكلفون أنفسهم بذل أي جهد سعيا وراء اقتراحات حلول. بل ينتظرون “الترياق من العراق” و يعطلون تفكيرهم وتفكير الشعب اللبناني في هذا الشأن ، ويمعنون في فرز الجمهور بين مؤيد ومعارض لربيع الثورات، حتى لو تظاهروا بعدم المراهنة على نتائجه.

سياسيو لبنان عينهم دائما على الخارج ، يستدرجونه ضد بعضهم بعضا ويراهنون على تدخله،   والخارج لا يتدخل إلا لمصلحته هو. حتى حين ينأى واحدهم بنفسه ، فهو يقيم في فسحة انتظارية بين تدخل وتدخل ، هربا من حل المشكلات الداخلية .

لم يكن لبنان وحيدا في سياسة الهروب هذه . الربيع العربي هو الذي وضع حدا لأولوية قضايا الخارج على قضايا الداخل، عندما حدد، بصورة لا لبس فيها، أن الخطر الأساسي على كل وطن من أوطان العالم العربي هو الاستبداد، مجسدا بالأنظمة الوراثية وحكم الأجهزة الأمنية على حساب الديمقراطية وكل مشتقاتها ( دولة القانون والحريات وتداول السلطة والفصل بين السلطات ، الخ). فلم تعد الخصومات مع الخارج هي الأولوية ، لكنها لم تشطب من سجل الخصومات  بل أزيحت عن موقع الصدارة فحسب .في الربيع العربي لم يكن العداء للامبريالية والصهيونية هو الأساس ، ولا كان النزاع مع “عملائهما” هو الأصل ، بل اجتمع خصوم الأمس على مواجهة عدو راهن هو الاستبداد.

لبنان في حاجة إلى ربيع يضع الأسباب الداخلية في موقع الصدارة ، ويفرض على القوى السياسية البحث جديا عن حلول أو تسويات محلية ، ولو مؤقته ، لأن الأزمات الاقليمية والدولية تتناسل بلا انقطاع من قديم الزمان ولن تعرف نهاية في المدى المنظور.

ربيع لبنان قد يبدو أبعد منالا لأن القوى المتعاقبة على السلطة أفرغت السياسة من مضمونها الديمقراطي وشحنتها بمضامين طائفية وعنصرية ودمرت مقومات الوحدة الوطنية، ولأن نظام المحاصصة متعدد الرؤوس، الخ. بيد أنه ربيع أكثر سهولة وأقل كلفة من سواه ، لأن المصطلحات المتعلقة بالشعب والحرية ودولة القانون والمؤسسات تحولت إلى جزء راسخ من ثقافة الشعب اللبناني.