6 يوليو، 2022

ذاكرة الميليشيات

16-4-2012

حبيبتي الدولة

ما من مرة اعتراني خوف على مستقبل الوطن مثلما حصل لي حين كنت أستمع إلى جيل الشباب الحزبي يتحدث عن 13 نيسان، في إحدى المحطات التلفزيونية. المتحاورون جميعا من مواليد ما بعد هذا التاريخ المشؤوم من العام 1975، لكن نقاشهم يرقى إلى ما قبله،  أي كأنه مما قبل التاريخ. استعادوا المصطلحات والعبارات والفذلكات السياسية والأحقاد والضغائن والأوهام ووسائل التحريض والتخوين والروايات ، الخ . ذاتها التي حاكتها لغة الحرب الأهلية قبل سبعة وثلاثين عاما.

من أين أتوا بكل تلك المعلومات المتضاربة ؟ الجواب بسيط : كل من حزبه . يعني ذلك أن الأحزاب اللبنانية جميعا ، المولود منها قبل السبعينات أو المولود بعدها ، تربي أجيالا وتحضرها لبوسطة جديدة ، وهي تحجم عن إعادة قراءة التجربة بعين نقدية ، وهي  لم تتعلم منها سوى لغة العنف ورفض الآخر وتخوينه ، وهي لا تزال متمسكة بتفاصيل تجاربها الفاشلة حرفا حرفا .

ثلاثة من قادة الأحزاب قدموا قراءة نقدية ، لكن أحزابهم رمت هذه القراءة في وجوه أصحابها وأصرت على البقاء أسيرة العقل الميليشيوي: جورج حاوي الذي أخرجته قيادة حزبه من الأمانة العامة وتطاولت على تاريخه ، وسمير جعجع الذي ظل نقده أسير البنية الطائفية “لقواته اللبنانية” ومحسن ابراهيم الذي لم يكتف بأنه أطلق صرخة في واد ، بل هو أطلقها بعد فوات الأوان.

هذه الأحزاب باتت تشكل خطرا على البلاد لأنها تشحذ سكاكين الحرب وتزيت البنادق والأفكار.  نأمل ، قبل الطلقة الأولى ،  أن يأتيها ربيع يشبه الربيع الذي في بلاد العرب .

خطر على الوطن كل حزب يختار، بالأولوية على انتمائه اللبناني، انتماء أصغر من الوطن أو انتماء أكبر منه.

خطر على الوطن كل حزب يدافع عن النظام السوري أو  الإيراني أو السعودي أو الأميركي ، ولا يدافع عن وطن إسمه لبنان.

خطر على الوطن من يستعيد لغة الحرب الأهلية ، ولم يتعلم منها أن كل الحروب الأهلية تنتهي إلى سقوط الجميع في فخ التدخل الخارجي وتحولهم أدوات في خدمة المصالح الأجنبية الصديقة والشقيقة والعدوة.

خطر على الوطن أحزاب لا تجيد من اللغات سوى المفردات المذهبية والطائفية ، و لا تعرف من السياسة غير الاستزلام لقوى خارجية ، وأحزاب علمانية جعلت العلمانية قناعا للاستبداد ورفض الآخر:

الحزب الشيوعي الذي ضيعته بوصلة القيادة بين دمشق والرابية وحارة حريك والمصيلح ، ولم يجد لتاريخه مكانا يحفظ فيه استقلال قراره.

البعث والقومي اللذان يتباهيان بانتمائهما السوري على حساب اللبنانيين و الوحدة الوطنية اللبنانية

القوات والكتائب اللذان علمتهما الهزيمة دروسا ثمينة لكنهما ما زالا يدافعان عن لبنان من البوابة المسيحية ، لا  من بوابة المواطنة

أمل وحزب الله اللذان صنعا شيعية سياسية أين منها المارونية السياسية والسنية السياسية ، شيعية تضع مصير الطائفة رهن المصالح الإيرانية والسورية

تيار المستقبل الذي يصر على أن الطريق إلى ” لبنان أولا” تمر من دمشق أو القاهرة أو جدة

التيار العوني علماني ويعادي السنة ، ديمقراطي لكنه لا يقبل الرأي الآخر

الاشتراكي الذي كان بحجم كمال جنبلاط اللبناني العربي العالمي ، ثم ضاقت الرؤيا عنده لتصير بحجم خرم الإبرة الدرزية .

ميليشيات سياسية ، لكل منها بوسطة في 13نيسان . اللهم نجنا منها.

للأسف  ، أحزاب ، لا نستطيع أن نعيد بناء الوطن والدولة من دونها أو رغما عنها ! إذن لا مفر من ربيع يصحح مسارها ويعيدها إلى جادة العقل ، وإلا فالربيع سيجعلها من الماضي.