3 ديسمبر، 2022

الحزب الاشتراكي والدولة

13 أيار 2021

https://www.nidaalwatan.com/article/46173

في مقالتي عن “الحزب الاشتراكي والثورة” قلت إن وليد جنبلاط يكاد يكون الوحيد الذي قلب صفحة الحرب الأهلية بلا تردد بقرار حازم وحاسم وواضح عبرعنه من خلال المصالحة مع البطريرك صفير والتعاون مع حزبي الكتائب والقوات في الانتخابات النيابية، ومن خلال دفاعه القوي عن السيادة الوطنية في مواجهة أي تدخل خارجي ولا سيما السوري في الشأن اللبناني. ويكاد يكون الوحيد الذي جعل الدولة مرجعيته لحل أزمات الوطن المستعصية، وهذا ما أثبتته حوادث وأحداث دموية كثيرة كان يصرّ على حلها عبر الدولة. شروط كافية ليكون موقف الحزب الاشتراكي إيجابياً من الثورة، لكنها لم تعد كافية ليكون موقفه إيجابياً من الدولة. الثورة تحتاج إلى من يعضدها دفاعاً عن السيادة الوطنية وضد منتهكي الدستور ولتعزيز المواطنية والوحدة الوطنية. هذا موقف حزب في المعارضة، أما كونه جزءاً من المنظومة الحاكمة فيملي عليه خطاباً لا يستجيب للمطالب العامة للثورة فحسب، بل للآليات التي يجري البحث عنها من أجل إعادة تشكيل السلطة وبناء لبنان الجديد والجمهورية الثالثة.

هل يصلح حزب التوريث السياسي مثلاً كنموذج لإعادة بناء الوطن؟ أحد الأصدقاء استبق موضوع المقالة لأنه يتوقعها وينتظرها فأرسل لي تسجيلاً لمقابلة مع تيمور جنبلاط بدا فيها السياسي الشاب مرتبكاً أمام محاوره مرسيل غانم. كأنما أرسلها ليدعوني إلى التخفيف مما يراه مبالغة في تقديري لدور كمال جنبلاط كقامة وطنية استثنائية، ولحرص وليد جنبلاط على الكيان اللبناني والوحدة الوطنية.

نعم، التوريث فكرة عتيقة متحدرة من أنظمة ما قبل الحداثة. الرأسمالية أجازت المحافظة عليها كتراث جميل يحترم البيوت السياسية وأزالت عنها غبار الاستبداد، فظل الملك البريطاني أو الامبراطور الياباني رمزاً لاستمرار الأمة وحافظاً لتاريخها. أما السلالات التي نبتت من غير جذور بعد انهيار الحضارة الإقطاعية، ومنها سلالات التوريث الحزبي، فهي عاكست مجرى التاريخ. بهذا المعنى، للزعامة الجنبلاطية تاريخ، والمختارة لم تحافظ عليه فحسب بل نقلته من دور داخل الطائفة إلى دور وطني وقومي وأممي، فصار كمال جنبلاط زعيماً لأحزاب اليسار التقدمي في لبنان ورئيساً للجبهة العربية المناصرة للثورة الفلسطينية وحاملاً وسام لينين الأممي، رغم أنه وجّه نقداً لاذعاً للتجربة الشيوعية، معترضاً على نقص الحرية والديموقراطية فيها. أثبتت التجربة اللبنانية أن التوريث السياسي في العائلات قدّم للوطن قامات كبرى، فيما طفا على سطح الحياة السياسية من خارج التوريث من يندى جبين الوطن من عار وصولهم إٍلى سدة المسؤولية. البيوت السياسية تورث النبل. أما الأنظمة الحزبية فليست متحدرة من تلك الحضارة ولا من قيمها، ولذلك سيصيبها ما أصاب الغراب حين قلد مشية الحجل. خالد بكداش جعل التوريث مهزلة وفكاهة، لأنه يفتقر إلى شيم النبلاء، أما الميليشيات وأحزاب الأجهزة فحدث ولا حرج عن آليات تداول السلطة فيها بالمكائد.

حاول الحزب الاشتراكي تطبيق نظرية الانزياح في اللغة والبلاغة على التنظيم الحزبي وفشلت التجربة، فصارت زعامة جنبلاط داخل الطائفة تطغى على زعامته الحزبية، وبات الطريق الإلزامي لحضورالحزب وتأثيره في الحياة السياسية، يمر بالضرورة عبر الزعامة الجنبلاطية، مع أنهما، الزعامة والحزب غير طائفيين. من ناحية أخرى، آليات العمل في زعامة الطائفة تتطلب البحث عن تسويات إما للمحاصصة أو لمنع تجدد الحرب الأهلية أو لكليهما، فيما يتوجب على الحزب العمل على تجاوز التسويات بحثاً عن حلول ترسخ الوحدة الوطنية. خروج الحزب من هذا المأزق يقتضي خروجه من بطن الطائفة. إن في صفوفه من الكفاءات وفي تراثه وتقاليده من المقومات وفي سلوك زعيمه من الجرأة على النقد الذاتي، ما يمكّنه من المساهمة في صياغة مفهوم جديد لليسار في لبنان وفي تشكيل حزب عابر للمناطق والطوائف قادر على إعادة بناء الدولة.