3 ديسمبر، 2022

في تكريم الطيب تيزيني

كلمة ألقيت في مهرجان الكتاب – الحركة الثقافية- أنطلياس

أول لقاء لي مع الطيب تيزيني كان خارج المكان. بل في مكان افتراضي قبل أن تولد الامكنة الافتراضية،أو في مكان لا جدران له، تتسع حدوده لتبلغ حلماً جميلا بالأممية الاشتراكية.

كنت قد انتسبت إلى الشيوعية من بابها الثقافي. وأول كتاب على المنهج الماركسي قرأته كان “الفن والمجتمع عبر التاريخ” للألماني أرنولد هاوزر. علاقة الفن بالسياسة معقدة. إذن كان علينا أن نتدرج في سلم الثقافة الماركسية لنقترب من السياسة أو لنقاربها أو لنتقرب من صانعيها، فلم يكن أمامنا إلا الغوص في بحار علمين كبيرين من أعلامها في المشرق العربي، حسين مروة والطيب تيزيني.

كانا توأمين مثلما كان حزباهما. توأما الحزب كانا سياميين واقتضى فصلهما إجراء عملية جراحية. أما توأما الفلسفة فكانا وليدين طبيعيين للماركسية السوفياتية. تابع أحدهما، الشيخ حسين رحمه الله، العلم في جامعات موسكو، والأخر،الطيب أطال الله عمره، في جامعات ألمانيا. واستمرا معاً، مسافة طويلة من العمر، يكمل واحدهما الآخر في مواجهة الإرث الثقافي المعقد الذي ربض على صدور الأجيال وما زال رابضاً، حتى الساعة.

المواجهة الواحدة الموحدة انطلقت من دعوة ماركس الصريحة: يبدأ التقدم من نقد الماضي، ونقد الماضي يعني أولاً نقد الدين. من هذه النقطة انطلق المفكران المشرقيان الماركسيان لدراسة التراث. شيخنا حسين مروة ترك لنا ما اعتبرناه كنزنا الثقافي الماركسي، النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية، وعاش على مجد هذا الانجاز بقية عمره إلى أن اغتاله تكفيريو ذلك الوقت الذين يشبهون كل التكفيريين في كل زمان ومكان. فيما لم يتوقف قلم الطيب تيزيني عن العطاء، في الحقل الفلسفي كما في حقل التعليم الجامعي ، كما في كل حلبات الصراع الايديولوجي، بما في ذلك مساهماته الكتابية خلال ثورة الربيع العربي في سوريا.

قراءة التراث كانت شغل المفكرين الشاغل. والدين عصي على النقد لأن الغوص في غماره من المحرمات، إذ كل مساس بالمقدس محرم، لكن المقدس ليس النص القرآني وحده بل كل ما كتبه السلف الصالح ايضا. لذلك دخل المفكرون إليه من أبواب خلفية وقاموا بقراءات موازية، على غرار ما صنف كتاب طه حسين عن الشعر الجاهلي. أدونيس كتب عن الثابت والمتحول، حسين مروة عن النزعات المادية، والطيب تيزيني ترك لنا مكتبة ضخمة في هذا المضمار نذكر منها :

  • 1– مشروع رؤية جديدة للفكرالعربي في العصر الوسيط
  • 2- روجيه غارودي بعد الصمت
  • 3- من التراث إلى الثورة
  • 4- حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي
  • 5- الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى
  • 6- من يهوه إلى الله (جزآن)
  • 7- مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر
  • 8– النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة
  • 9- من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة (جزآن)
  • 10- في السجال الفكري الراهن
  • 11- فصول في الفكر السياسي العربي
  • 12- من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي
  • 13- بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي
  • 14- على طريق الوضوح المنهجي
  • 15- من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني
  • 16- بيان في النهضة والتنوير العربي
  • 17- حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث.

فضلا عن مئات المقالات والمساهمات في ندوات ومؤتمرات في المنابر والجامعات السورية والعربية والعالمية.

تخيل الطيب أن مشروعه لدراسة التراث مفصلا مفصلا، لن يكتمل في مجلد أو اثنين، بل قد يبلغ دزينة من المجلدات. منهجه في القراءة هو منهج المادية الجدلية، الذي ارتسمت معالمه في كتابات ماركس وتأويلاتها السوفياتية. يقاس الصواب والخطأ فيه بمقاييس التجربة الاشتراكية في بلد المنشأ.

من سوء حظ المشروع الطموح أن التجربة الاشتراكية بدأت تترنح باكرا، مع بداية مشروع الطيب. كان يمضي صعدا في مشروعه فيما الاشتراكية كانت قد بدأت مشوار تراجعها. أنجز نصف ما خطط لإنجازه ، أي ستة مجلدات ، كان أولها أطروحته الجامعية التي نشرت تحت عنوان: مشروع رؤية جديدة للفكرالعربي في العصر الوسيط، وأرغمه انهيار التجربة على  التوقف وإعادة النظر. استأنف الطيب نشاطه بالهمة ذاتها واضعا خطة جديدة طويلة الأمد أيضا، النهضة العربية بدل التراث. وإذا كان نقد الماضي البعيد هو مادة مشروعه الأول، فقد اختار أن يكون نقد الماضي القريب مادة مشروعه الجديد.

مشروعه الأول بدأ مع نهاية دراسته الجامعية وحصوله مرتين على دكتوراه في الفلسفة من جامعات ألمانيا، في عامي 1967 و1973، وانتهى بعد ثلاثة عقود، أي غداة الاعلان الرسمي لوفاة التجربة الاشتراكية. لكن الطيب ثابر  واقفا في تسعينات القرن الماضي على مشارف قرن جديد ليتابع من غير كلل معالجة عوائق النهضة العربية.

*************

لقائي الثاني بالطيب كان أكثر حميمية. أكثر حميمية لأننا استمعنا إليه وأنسنا إلى حديثه من غير أن تأسرنا الطقوس الأكاديمية والفكرية الجافة، وطاب معه السمر والسهر حول مائدة بيتية في منزلي في صيدا، ومع مفكر عربي مصري ماركسي هو الآخر، محمود أمين العالم، رحمه الله، وبحضور راعي الثقافة وجامع شمل المثقفين حبيب صادق. النكهة المصرية في سهرتنا خففت من عبء النقاش الجدي بين الفلاسفة . فيها عرفت أن الطيب من مواليد حمص، ومنه عرفنا أن ما يروى عن مآثر الحماصنة لا يقدم صورة حقيقية عن المدينة، فحمص الشهيدة اليوم هي المدينة التي كان قد تخرج منها كبار قادة الفكر والفن والسياسة في سوريا، ومن بينهم الطيب المولود فيها عام 1934

كانت تلك السهرة على منعطف مشروعي الطيب ، التراث والنهضة. لا أذكر شيئا من الفكاهات الكثيرة في  تلك السهرة، لكنني أذكر جيدا ذلك النقاش الحامي بين وجهتي نظر حيال حركات الاسلام السياسي. محمود أمين العالم القادم من مصر، حيث العنف الاصولي الوحشي ضد كل شيء، ضد  نجيب محفوظ وفرج فوده ونصر حامد أبو زيد، وضد السياحة وضد السادات وضد السينما وضد القانون وضد الكنائس وضد الحياة. اختار الشيوعيون هناك، أو بالأحرى الماركسيون، أن يكونوا مع النظام ضد عنف الأصوليات الدينية، فيما ماركسيو المشرق العربي اختاروا التحالف مع الاسلاميين في النضال المسلح ضد العدو الصهيوني.  

الماركسية العربية كانت قد بدأت ترتج ، أتاها “العصف الجميل” (أدونيس)، من ناحيتين، من الانهيار الكبير للتجربة الاشتراكية ومن دعوة الخميني القيادة السوفياتية إلى التخلي عن الماركسية واعتناق الاسلام. كان من الطبيعي أن يترك هذا الارتجاج أثره ليس على الطيب وحده بل على علاقة الفكر الماركسي بالفكر الديني، هذه الثنائية الضدية المحكمة التناقض، التناقض التناحري، بين المادية والمثالية  والتي تشكل عصب الفكر الماركسي. بات على الطيب أن يختار، كيف يكون المرء ماركسيا ويتحالف مع الدينيين ؟ والدينيون لا مكان في السياسة عندهم  لتحالف ولا لتعاون، لأن السياسة في نظرهم انصياع لما هو مرسوم في لوح السماء. كما أن جبهة المواجهة الماركسية مرسومة بالبركار بين معسكري الاشتراكية والامبريالية، فيما جبهة الاسلاميين هي بين الإيمان والكفر. إذن كان لا بد من حل وسط ، من تسوية . قالت التسوية إن الدين والماركسية مصدران متساويان لإيديولوجيات الثورة. وبدل نقد الدين، تحول الطيب وكل الطيبين من الماركسيين إلى نقد مواقفهم السابقة من الدين، ومضوا نحو فهم التجربة الإيمانية والدينية عموما من داخلها ودراسة تأثيرها في إنجاز التحول المجتمعي.

انهارت التجربة الاشتراكية وانهارت حركة التحرر وصار بعضها جزءا من التحالف الامبريالي، وتفككت الأحزاب الشيوعية العربية… كان من الطبيعي إذن أن يبحث الماركسيون العرب عن مخرج من هذا المأزق. بعضهم ، ومنهم الطيب، اختار صيغة من المصالحة مع التراث من غير أن يتنكر لمنهجه الماركسي، فراح يرصد سمات التقدمية والدنيوية في الاسلام التي ساعدت على هذا التحول الكبير في المجتمع الجاهلي،حسب قوله، ورأى أن ” التمايز النسقي” بين الفلسفة والدين لا يلغي ضرورة  احترام كل مجال منهما للآخر، وخلص إلى القول بأن  الاحترام المتبادل والندية التنافسية والتسامح العميق في العلاقة بين الطرفين، وكذلك بينهما وبين كل الأنساق النظرية والثقافية والإيديولوجية العامة ضمن الواقع العربي المعاصر هو الطريق إلى إثمارها جميعا وإخصابها.

كان التطور الأهم على هذا الصعيد هو أن الطيب أعاد النظر بمفهوم الثورة وأحل محله مفهوم النهضة، حرصا منه على الاستفادة من المقومات التقدمية الكامنة في التراث، وقال “أن مشروع الثورة ذاته بات يعيش اختناقاً قاتلاً. من هنا أدركت ما يخيّل إليّ انه البديل المناسب لمفهوم الثورة ومشروعها، وهو مفهوم النهضة ومشروعها…” كما قال في مكان آخر “كنا في الماضي نعتبر الحامل الاجتماعي حاملاً طبقياً ونتحدث عن الصراع الطبقي والإشكالية الطبقية، هذا ليس وارداً الآن. حامل المشروع الجديد، النهضوي، لا يمكن الآن إلا أن يكون تحالفاً طبقياً أو سياسياً يضم كل فئات المجتمع.” ربما هي صيغة من مصطلح ” الكتلة التاريخية ” الذي اطلقه غرامشي، واعتمدته الأدبيات الماركسية كلها، ورفضته القيادات السياسية كلها، وقابلته بالاصرار على التمسك بالصراع الطبقي بحمولته السوفياتية الكاملة.

لم تكن الثورة الخمينية البديل الفكري السياسي والايديولوجي الوحيد. مع بداية الانهيارات الكبرى، أخذت تظهر بوادر لنفض الغبار أو كشف النقاب عن/ أو لتسليط الضوء على فلسفات نقدية مشتقة من ماركسيات غير سوفياتية، فرنسية على نحو خاص، أو متأثرة بها،من روادها سمير أمين وعبدالله العروي وأنور عبد الملك،  وعن دراسات أكاديمية من المغرب العربي كان من أبرز روادها محمد عابد الجابري ومحمد الوقيدي وطلابهما الكثر.

موقف الطيب من التراث تعارض على خط مستقيم مع نظرية القطيعة المعرفية التي أطلقها الفيلسوف الفرنسي باشلار، فكان من الطبيعي أن يتعارض مع كل ممثليها، وخصوصا مع الجابري الذي قدم قراءة للتراث لا تشبه القراءة بمنهج الطيب وحسين مروة اللذين سعيا إلى الكشف عن الجوانب المادية في التراث الاسلامي العربي، ولذلك خصص الطيب بعض دراساته للرد على هذا المنهج الذي لم يكتف فحسب، برأي الطيب، باعتماد مناهج البحث الغربية، بل راح يتبنى الموقف الأوروبي من التراث العربي ومن كل تراث، المدان، في نظر الطيب، وكذلك سمير أمين، بالمركزية الأوروبية.

ينتقد الطيب منهج الجابري الصوري، ويخلص إلى أنه ليس منهجا معرفيا إنما هو منهج إيديولوجي أساسا ولكنه مطروح في صورة معرفية وقد فسر موقف الطيب من الجابري وقطيعته المعرفية ومنهجه في قراءة التراث على أنه موقف المشرق من المغرب، خصوصا أن نص الجابري في ثلاثيته عن العقل العربي قد تلقت نقدا قاسيا من مفكرين مشرقيين من بلاد الشام هما الطيب تيزيني وجورج طرابيشي.

لقائي الثالث مع الطيب كان في التسعينات أيضا، حيث كان لي شرف المساهمة إلى جانب الصديق الدكتور أنطوان سيف في تكريم الطيب بدعوة من اللجنة الثقافية في الإدارة المدنية التي كان يرئسها الرفيق محمود أبو شقرا عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي اللبناني آنذاك.

في تلك الفترة من التسعينات كانت مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية الفرنسية قد اختارته واحدا من مئة فيلسوف في العالم للقرن العشرين ، بينما كنا نحن نتعارك مع أصولياتنا ونحاول التبرؤ من جمود أصابنا ، وأوقعتنا الهزائم في إحباطات وأخرجت البعض من أنتمائه ورمته في أحضان الفكر الديني، بينما تمسك آخرون، ومنهم الطيب، بانتماء سياسي وفكري وحزبي دشنوا حياتهم النضالية به وما غادروه.

وفي تلك الفترة كنا قد خسرنا اثنين من رموزنا ، حسين مروه وحسن حمدان ( مهدي عامل)، قتلتهما أصوليتان ، سياسية ودينية، والحزبان التوأمان في سوريا ولبنان، مصران على الانخراط في جبهة الاستبداد والتحالف مع أطرافها حتى ولو كانوا هم القتلة.

في هذا المناخ السياسي رحت إلى بيت الدين لأشارك في تكريم الطيب، مدفوعا بشعور عارم من الحزن على غياب من غابوا، ومن الغضب على القيادات المصرة على التحالف مع القتلة، ومن الخوف على نفسي وعلى الطيب وعلى كل الطيبين من ضحايا الاستبداد على امتداد الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.

حملتني مشاعرالغضب والحزن والخوف  تلك لا على تكريمه بل على نقده بقسوة، على نقد وفائه للنهج الذي يرمي بنا في التهلكة. قلت في حينه أننا كلنا أصوليون، شيوعيين وقوميين ودينين، كلنا يبحث عن حل أزمات المجتمع من نصوص نستخرجها من التاريخ. وكلنا مستبدون، شيوعيين وقوميين ودينيين، كلنا يبحث عن اقصاء الآخر والاستئثار بالحقيقة والسلطة.

الفيلسوف الفرنسي ألتوسير الذي لا يتبنى الطيب نهجه في قراءته الماركسية ، ألتوسير هذا ارتكب جريمة قتل، قتل زوجته، لكن الرئيس الفرنسي أمر بنقله إلى المستشفى لا إلى السجن، وفي حيثيات قراره “أن من العيب على فرنسا أن تعتقل عقلها”. بعد أكثر من عقد من السنوات، فيما الشعوب العربية تسعى في سبيل الحرية،  يعتقل الطيب بتهمة التفكير بمستقبل الوطن.

أعتذر منك يا أستاذي الطيب. مع أنني على حق. على حق في أن أخاف عليك من الاستبداد الديني ومن الاستبداد السياسي. أخاف عليك بلا منة، لأنني أخاف على نفسي وعلى كل فكر حر. لأنني أخاف على وطني وعلى أمتي.