26 يونيو، 2026

صراع على السلطة أم مقاومة؟

مقاومة أم صراع على السلطة؟

المقاومة، كل مقاومة، عالم ومنظومة قيم. والحزب، كل حزب، عالم مختلف ومنظومة قيم أخرى. لكل منهما معيار ومنهج عمل، قد يكونان جسماً واحداً، لكن بعقلين مختلفين بل متناقضين. المقاومة تضحية وعطاء والحزب سعي وراء المصالح السياسية المباشرة وصراع على السلطة.

أساس المقاومة تضحية قد تبلغ حد التضحية بالنفس، هي تنطوي على شيء من القداسة، وتأخذ قبساً من قداسة الله حين تكون تضحية من أجله، وهي كل القداسة إن كانت في سبيل قضية كحرية الأوطان. ذلك أن المقدس، لغة، ضد المدنس. إنه الطهارة والتنزيه، الطهارة من الذنوب والتنزيه عن مدنسات الدنيا، أي وسخها.

المقاومات الحديثة قامت على النضال حتى الشهادة (بالمعنى الذي جرى استخدامه خطأ لمصطلح الشهادة)، ومنها من بدأ درب النضال بالشهادة، في سبيل حرية الأوطان: المقاومة الفرنسية والسوفيتية والفيتنامية والكوبية والفلسطينية واللبنانية وغيرها. هذه كلها ارتبط اسمها وأصلها وفصلها بأوطان، أي ببلاد بعينها لكل منها أرضها وحدودها وقوانينها وسيادتها ودولتها. وهي كلها حظيت بنعيم القداسة فنصبت لها التماثيل وتخلد الشهداء، فكتبت بأسمائهم شوارع وساحات ومؤسسات، وعلقت صورهم على جدران المدن وفي القاعات وتحولت إلى نياشين على الصدور. المقاومة وتضحياتها في كل هذه البلدان والحالات كانت موضع إجماع وافتخار، إلا في لبنان، حيث هي موضع التباس، وهذا مناف للمنطق ولقداسة الموت من أجل القضية. إنه التباس يكتنف القضية لا التضحية من أجل القضية.

من هذه الالتباسات مثلا ما أحاط بمقاومة “القوات اللبنانية” التي بذلت، من دون شك، خلال الحرب الأهلية اللبنانية، تضحيات كبرى، لكنها لم تكن تضحي من أجل وطن. وإن هي زعمت أنها فعلت ذلك من أجل لبنان، فلبنانها كان الوطن القومي المسيحي لا التعددي، ما يعني أن تضحياتها سفحت على مذبح العنصرية اللبنانية والمسيحية ضد العروبة والإسلام، ففقدت أهم عنصر من عناصر القداسة في تضحياتها ألا وهو الإجماع الوطني، أي إجماع اللبنانيين، لأن الإجماع هو وحده الذي ينزهها عن التحول إلى مادة في صراع المصالح.

 من هذا المنطلق يبدو استحضار بطولات الحرب الأهلية اليوم، لتوظيفها في الصراع السياسي الراهن لا يفيد بشيء منطق من يدافعون اليوم عن لبنان ال 10452 كلمتراً مربعاً ولا عن لبنان الفدرالي، لأن بطولات تلك المرحلة تم توظيفها لصالح مشاريع سياسية لا لصالح مشروع وطني.

الإجماع شرط القداسة الوطنية، وقد حظيت به جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، “جمول”، لأن أسماء شهدائها موزعة على مناطق لبنان وطوائفه كلها، إذن لأن مشروعها بدا، في كثير من وجوهه، مدافعاً عن كل لبنان لا عن جزء منه، فحقق بذلك بالدم إجماع المناطق والطوائف. أما سلاح الحزب الشيوعي اللبناني فكانت وظيفته خارج عمل المقاومة وظيفة ميليشيوية مثله مثل سائر المشاركين في الحرب الأهلية.

من الالتباسات ما أحاط ببعض بطولات وطنية حقاً، حيث بذلت تضحيات من أجل تحرير الوطن من دنس الاحتلال، ذلك لأن بعض تلك البطولات لم تكن تستهدف فحسب تحقيق الهدف السامي، أي تحرير التراب اللبناني من الاحتلال، بل كانت ترمي، ما بعد التحرير، إلى الدفاع عن وطن آخر غير لبنان اللبناني، وطن اشتراكي أو قومي عند المقاومة الوطنية اللبنانية وعند سواها من الأحزاب القومية، وإسلامي عند حزب الله. حتى أن بعض المقاومين أهدوا عملياتهم الاستشهادية إلى الرئيس ” المفدى” رئيس الدولة السورية، أو رئيس الدولة الإيرانية. أين الوطن من كل هذا؟

شرط المقاومة أن تقوم من أجل الوطن، أن يكون لها وطن. ولا تحل أية قضية، مهما تكن مقدسة، محل الوطن. ولهذا فإن ” الجهاد” في سبيل الله ليس مقاومة ولو تضخمت تضحياته، لأن الله ليس قضية وطنية بل قضية دينية. الجهاد في سبيل الله، في أيامنا هذه، لم يعد تبشيراً دينياً ضد المشركين من عبدة الأوثان، بل هو نضال حزبي فحسب، حتى لو استحضرت مفرداته اللغوية من القرآن والكتب الدينية والطقوس والمعتقدات المذهبية. إذن هو نضال سياسي لا ديني. ولأنه حزبي وسياسي فلا يكون موضع إجماع، لأن السياسة صراع على المصالح، أي على السلطة والنفوذ.

أما النصر الذي زعمه حزب الله في حرب تموز 2006 فلم يكن موضع إجماع، أولاً لأن حزب الله رأى فيه نصراً إلهياً لا نصراً وطنياً، يعني نصراً صنعه الله لا المواطنون. ثانيا لأن مقاييس النصر والخسارة في عقلنا العربي لا تخضع لمنطق العلم والحسابات الدقيقة بل لمنطق العاطفة والحماسة والحمية والعنفوان عموماً والعاطفة الدينية على وجه خاص، ثالثاً لأن هذا “النصر” طرح على بساط البحث علاقة حزب الله بالمقاومة، فظلمت المقاومة وبطولات المقاومين وقداسة تضحياتهم بجريرة المصالح السياسية لحزب الله، وأديرت المعركة السياسية في صورة مغلوطة ومؤذية من قبل أطراف الصراع، بحيث بدا الاعتراض على تفرد حزب الله كأنه اعتراض على المقاومة وتضحياتها.

إلى متى سيبقى مشروع الولي الفقيه قادراً على التخفي في زي مقاومة؟ نترك لمياه الحياة وحدها تكذيب الغطاسين.

About The Author