18 يونيو، 2026

فائض العشاق

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=922296


“كثرت في غرامه الأسماء”، غير أن لبنان ليس غانية يغرها الثناء. الدولة العميقة فيه لفظت عشاقه والمغرمين به مثلما لفظ الرصيف خطوات الشاعر محمد الماغوط “كالدواء المر”. قوات العشق الإباحي أولاً، الاسطول السادس في أحداث 1958، جيش الشقيقة سوريا الأسد عام 2005، قوات الاحتلال الإسرائيلي عام 2000. أما العشق العذري فهو بعض من سفاح القربى، الميليشيات الفلسطينية واللبنانية التي ما زالت تصر على إنكار فعلتها، تبرئ نفسها وترمي سواها بتهمة اغتصاب السيادة.
أشهر الأقوال، طريق القدس تمر من جونية، وآخرها عرض سخي من الرئيس الأميركي بإيكال نزع سلاح حزب الله إلى الرئيس الشرع. سبق لإسرائيل أن طالبت بقوات سورية لحماية حدودها الشمالية مع لبنان. الرئيس الأسد رفض، ومن فائض حرصه على سيادة الدولة اللبنانية قرر أن مواصفات سلاح المقاومة أكثر مطابقة لنهج الممانعة القائم بين اللاحرب واللاسلم. الرئيس التركي استلحق نفسه واضعاً نقاط العلاّم لأمن السلطنة في دمشق وحلب وبيروت.
بدعة الغرام بنسختها التبشيرية تطل علينا من إيران. يطلبون من لبنان ألا يقبل بأقل من الانسحاب الإسرائيلي الكامل. كلام حق. معزوفة “الكامل” سمعناها قبل ذلك عندما رفعت إسرائيل في أول التسعينات شعار “جزين أولاً، وتولى النظام السوري يومذاك رفضها وأوكل إلى أدواته إعلان ذلك بحجة أن الانسحاب إما أن يكون كاملاً أو هو فخ فلا يكون. إيران اليوم كما سوريا البارحة مستعدتان لمحاربة إسرائيل حتى آخر حجر في منزل أو بيت في قرية جنوبية.
فظيع هذا التناغم بين مشاريع التطرف السياسي والديني. تختزل الحروب بمنازلة بين كلمات. حائط المبكى والمسجد الأقصى والقدس. يعيدون عصور النبوة كما لو أن الثورة الفرنسية لم تحدث ولا الدولة الحديثة قامت. حتى التطرف المسيحي في لبنان لا يقرأ في الكتاب البابوي ولا في الإرشاد الرسولي. هل هو التجسيد الحي لوحدة الأضداد التي شاعت في الأفكار الماركسية.
الأكثر فظاعة هو أن المتطرفين الذين يديرون الدفة في إيران وإسرائيل وأميركا يتصرفون بما يشبه الجنون، جنون عظمة أو خوث أو بله أو حمق. منشغلون بتجريد حزب الله من السلاح، بنزعه أو تسليمه أو حصره. في لبنان يرتفع منسوب الكلام عن الجيش وتسليحه وتدريبه، بعضهم يفكر بالفصل السابع أو بقوات ردع أممي. كل ذلك من أجل إرساء السلام في الربوع اللبنانية. حزب الله ليس الوحيد الذي يستخدم مفردات من لغة العنف في بحثه عن الوحدة الوطنية، لكن اللبنانيين يخشون من تصدير عنف السلطة الإيرانية ضد معارضيها.
الأزمة في لبنان لا يختصرها السلاح وشرعيته وحصريته ولا تحديث القوات العسكرية وتجهيزها، بل هي أزمة في طريقة التفكير لدى المغرمين بالسلاح ولدى الواهمين بأن قوة النظام من قوة جيشه. الأمر يحتاج إلى قرار سياسي لا إلى نقاش وسجال عقيمين. فلتترك دراسة الجدوى للميدان، للنتائج التي آلت إليها الحروب.
لا الطوفان ولا الإسناد الأول ولا الثاني، ولا حتى الحرب الأميركية الإيرانية ذاتها. لم يتمكن أحد من تحقيق مآربه السياسية بقوة السلاح. سلاح المشاغبة بات خارج الصلاحية بعد أن عجز عن وقف تدمير غزة وجنوب لبنان، ولا تفوق أميركا مكنها من بلوغ مبتغاها، ولا الجيش الإسرائيلي بوحشيته وبقوة طيرانه وبمبتكرات العلم قضى على المقاومة وسلاحها. نهاية كل الحروب اتفاقات وتسويات ومفاوضات.
للمتحاربين معاييرهم في النصر والهزيمة، في الربح والخسارة. الدولة اللبنانية وحدها ليست في عداد المحاربين، ونظنها لا توافق على معاييرهم. فليترك لها أن تختار ما تراه مناسباً لمفاوضات تفضي إلى استعادة السيادة الوطنية. نقترح أن تقتدي في بناء علاقاتها الخارجية بنموذج خيمة فؤاد شهاب وعبد الناصر في المنطقة المحايدة على الحدود.

About The Author