13 يونيو، 2026

الحوكمة والديموقراطيةالسبت 13 حزيران 2026

مَقولَةُ “كْلاوْزْفيتْز” وَتَطْبيقاتُها الخاطِئَة!

https://ourouba22.com/article/8991-


محمد علي مقلد

 المشاركة

في مَقالَتِهِ عَنْ “مَلامِحِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الجَديدِ بَعْدَ أَنْ تَسْكُتَ المَدافِع”، اسْتَنَدَ حسين عبد الغني إلى مَقولَةِ كْلاوْزْفيتْز التي أَوْرَدَ مِنْها العِبارَةَ التّالِيَة: “إِنَّ الهَزيمَةَ هِيَ إِخْفاقُكَ في إِجْبارِ عَدُوِّكَ على الخُضوعِ لِإِرادَتِك، وَإِخْفاقُكَ في إِجْبارِ قادَتِهِ وَشَعْبِهِ على الِاسْتِسْلامِ لَك”. المَقولَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَعاييرَ جَديدَةٍ لِلنَّصْرِ وَالهَزيمَة، وَيُمْكِنُ اسْتِخْدامُها في مَديحِ النَّتائِجِ شِبْهِ النِّهائِيَّةِ لِحَرْبِ “الطّوفانِ” في غَزَّةَ وَحَرْبَيِ “الإِسْنادِ” في لُبْنان، وَالحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ – الإِسْرائيلِيَّةِ ضِدَّ إِيران. في هذِهِ الحُروبِ الأَرْبَع، صَمَدَتِ الأَطْرافُ الضَّعيفَةُ عَسْكَرِيًّا، “حَماس” وَ”حِزْبُ اللهِ” وَ”إيران”، أَمامَ الطَّرَفَيْنِ الأَقْوى عَسْكَرِيًّا، أَميرْكا وَإِسْرائيل، وَلَمْ تُعْلِنِ اسْتِسْلامَها على الرَّغْمِ مِنَ الخَسائِرِ الكَبيرَةِ التي مُنِيَتْ بِها في الأَرْواحِ وَالمُمْتَلَكات.

مَقولَةُ

الخُلاصاتُ التي تَوَصَّلَتْ إِلَيْها المَقالَة، اسْتِنادًا إلى المَقولَة، يُمْكِنُ إِيجازُها بِثَلاث، الأولى تَراجُعُ هَيْبَةِ واشِنْطُن أَمامَ حُلَفائِها الأَطْلَسِيّينَ وَالعَرَبِ وَأَمامَ خُصومِها، في ظِلِّ صُعودٍ سِياسِيٍّ لِلصّين؛ الثّانِيَةُ تَراجُعُ حُلْمِ إِسْرائيلَ في عَلاقَةٍ نِدِّيَّةٍ مَعَ أَميرْكا وَاحْتِمالُ خُروجِها مِنَ الحَرْبِ وَهِيَ في أَكْثَرِ حالاتِها سوءًا؛ الثّالِثَةُ احْتِمالُ قِيامِ تَحالُفٍ جَديدٍ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ مِنْ مِصْرَ حَتّى باكِسْتان… إِلَخ.

ما لَمْ تَتَطَرَّقْ إِلَيْهِ المَقالَةُ هُوَ الإِجابَةُ عَنْ أَسْئِلَةٍ يَنْبَغي طَرْحُها في ضَوْءِ نَتائِجِ المَعارِك، بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ التَّسْمِياتِ وَالنُّعوتِ التي يُمْكِنُ أَنْ تُطْلَقَ عَلَيْها. هَذا ما يُسَمّونَهُ في عِلْمِ المَناهِجِ “المَسْكوتَ عَنْه”. إلى مَتى سَتَبْقى أُمَّتُنا في مَوْقِعِ الصُّمودِ وَرَفْضِ الِاسْتِسْلامِ وَالهَزيمَة؟ مَتى سَتَنْتَقِلُ إلى مَوْقِعِ المُبادَرَةِ لا لِلْحَرْب، بَلْ لِلَعْبِ دَوْرٍ جَديدٍ عَلى خَريطَةِ النَّهْضَةِ وَالتَّقَدُّم؟.

هل ستبقى التضحية بعشرات آلاف البشر معيارًا للصمود؟ 

الأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ لا تَزال، مُنْذُ الحَرَكَةِ الوَهّابِيَّةِ حَتّى “حِزْبِ الله”، مُرورًا بِكُلِّ حَرَكاتِ وَمَشايِخِ الإِصْلاحِ الدّينِيّ، الكاشانِيَّةِ وَالمَهْدِيَّةِ وَالسَّنوسِيَّةِ وَالأَفْغانِيِّ وَمُحَمَّدِ عَبْدُه وَسِواهُم، وَبِكُلِّ الأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ القَوْمِيَّةِ وَاليَسارِيَّة، قاصِرَةً عَنْ تَقْديمِ جَوابٍ شافٍ عَنْ سُؤالِ شَكيبِ أَرْسَلان الشَّهير، لِماذا تَقَدَّمَ الغَرْبُ وَتَخَلَّفَ المُسْلِمون؟.

إلى مَتى سَتَبْقى سَلامَةُ القِيادَةِ وَعَدَمُ سُقوطِ النِّظامِ وَالقُدْرَةُ عَلى رَفْضِ الِاسْتِسْلامِ مِعْيارَنا في النَّصْر، حَتَّى لَوْ أُبيدَتْ مُدُنٌ وَدُمِّرَتْ قُرًى وَصارَتْ كَأَنَّها “تَضاريسُ على سَطْحِ القَمَر” عَلى قَوْلِ أَديبِ الصَّحافَةِ سَمير عَطالله؟ هَلْ سَتَبْقى التَّضْحِيَةُ بِعَشَراتِ آلافِ البَشَر، بِالقَصْفِ عَلى غَزَّةَ وَلُبْنانَ أَوْ بِحِبالِ المَشانِقِ في إيران، مِعْيارًا لِلصُّمود؟ حَتّى مَتى سَيَسْتَمِرُّ النِّضالُ عَلى امْتِدادِ مساحَةِ الأُمَّةِ ضِدَّ اسْتِعْمارٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجودًا أَصْلًا في غَيْرِ ثَلاثِ دُوَل (مِصْرَ وَتُونِسَ وَالجَزائِر) وَلَمْ يَعُدْ مَوْجودًا مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سِتّينَ عامًا في غَيْرِ فِلَسْطين؟.

أَزْمَةُ الأُمَّةِ وَسائِرِ بُلْدانِ العالَمِ الثّالِثِ وَما بَعْدَهُ بِالتَّرْتيبِ الحَضارِيِّ التَّنازُلِيّ، تَكْمُنُ بِالدَّرَجَةِ الأولى في تَخَلُّفِها عَنْ رَكْبِ الحَضارَةِ الحَديثَةِ التي ناصَبْناها العَداءَ بِاعْتِبارِها صَنيعَةَ الغَرْبِ وَالِاسْتِعْمار، مَعَ أَنَّ بَشائِرَ النَّهْضَةِ ظَهَرَتْ أَوَّلَ ما ظَهَرَتْ في كُلٍّ مِنْ مِصْرَ وَلُبْنان، البَلَدَيْنِ اللَّذَيْنِ أُتيحَ لَهُما الِانْفِتاحُ عَلى هَذا الغَرْبِ الِاسْتِعْمارِيِّ مُنْذُ أَيّامِ محمد علي باشا في مِصْر، وَفَخْرِ الدّينِ المَعْنِيِّ في جَبَلِ لُبْنان.

 المجال السياسي في العالم العربي ظلّ موصدًا في وجه الديموقراطية

مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى، تَحَدَّدَتْ أَبْوابُ الدُّخولِ إلى الحَضارَةِ الحَديثَةِ بِثَلاثَة: بابُ الثَّقافَةِ الذي انْتَقَلَتْ فيهِ مَناهِجُ المَعْرِفَةِ مِنَ الأُسْطورَةِ وَالخُرافَةِ وَالغَيْبِ إلى الأَكاديمِيّاتِ وَمَراكِزِ الأَبْحاثِ وَالمُخْتَبَراتِ وَالعِلْمِ الوَضْعِيّ؛ بابُ الِاقْتِصادِ الذي انْتَقَلَتْ عَبْرَهُ عَمَلِيَّةُ الإِنْتاجِ مِنَ الأَرْضِ إلى المَصانِعِ وَالِاسْتِثْمارِ الرَّأْسْمالِيّ؛ بابُ السِّياسَةِ الذي انْتَقَلَتِ البَشَرِيَّةُ عَبْرَهُ مِنْ أَنْظِمَةِ الِاسْتِبْدادِ إلى الدّيموقْراطِيَّةِ وَحُقوقِ الإِنْسانِ الفَرْد.

السبت 13 حزيران 2026″حروب بلا جنود”.. كيف تقاتل الخورزميات في الشرق الأوسط؟السبت 13 حزيران 2026ألعاب المفاوضات تحت النار في الخليج

لا شَكَّ في أَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ قَطَعَ شَوْطًا بَعيدًا في المَجالَيْنِ الثَّقافِيِّ وَالِاقْتِصادِيّ، على الرَّغْمِ مِنْ نَواقِصَ وَصُعوباتٍ ما زالَتْ تُعَرْقِلُ مَجْرى التَّطَوُّرِ وَالتَّقَدُّمِ فيهِما، إِلَّا أَنَّ المَجالَ السِّياسِيَّ ظَلَّ موصَدًا في وَجْهِ الدّيموقْراطِيَّةِ فَغَدا بِناءُ مُجْتَمَعاتٍ على أَساسِ التَّعَدُّدِ وَالتَّنَوُّعِ وَالِاعْتِرافِ بِالآخَرِ المُخْتَلِفِ أَمْرًا صَعْبًا، وَتَحَوَّلَتِ الأَنْظِمَةُ السِّياسِيَّة، حَتّى الجُمْهورِيَّةُ مِنْها، إلى بُؤَرٍ اسْتِبْدادِيَّةٍ أَيْنَ مِنْها إِمْبِراطورِيّاتُ القُرونِ الوُسْطى.

لا بدّ من ولوج سبيل الدولة في كلّ بلدان الأمّة

في ظِلِّ هَذا المُناخِ الِاسْتِبْدادِيِّ عَمَّتِ المَفاسِدُ وَتَرَسَّخَتْ أَسْبابُ التَّخَلُّف، وَسادَ وَعْيٌ غَيْبِيٌّ نَما في كَنَفِهِ جَهْلٌ مُقَدَّسٌ وَعُنْصُرِيّاتٌ دينِيَّةٌ وَإِثْنِيَّةٌ وَقَوْمِيَّةٌ وَانْفَجَرَتِ الحُروبُ بَيْنَ بُلْدانٍ مُتَجاوِرَةٍ في العالَمِ العَرَبِيِّ أَوْ داخِلَ بَعْضِها وَانْتَهَتْ بِحُروبٍ أَهْلِيَّةٍ خاضَها مُواطِنونَ ضِدَّ مُواطِنينَ وَفَصائِلُ مِنْ جَيْشٍ ضِدَّ فَصائِلَ أُخْرى، كَما في حالَةِ السّودان.

سَبيلٌ واحِدٌ لِلْخُروجِ مِنْ هَذا النَّفَقِ المُظْلِمِ هُوَ الدَّوْلَة، دَوْلَةُ القانونِ وَالمُؤَسَّساتِ وَالكَفاءَةِ وَتَكافُؤِ الفُرَصِ وَالحُرِّيّاتِ وَالدّيموقْراطِيَّةِ وَالعَدالَة. سَبيلٌ لا بُدَّ مِنْ وُلوجِهِ في كُلِّ بُلْدانِ الأُمَّةِ مِنَ المُحيطِ إلى الخَليج. حَتّى في فِلَسْطين، الحَلُّ بِالدَّوْلَة. بِغَيْرِ ذَلِكَ سَتَظَلُّ مَعاييرُنا لِقِياسِ النَّصْرِ وَالهَزيمَةِ مَغْلوطَة، وَحِساباتُنا لِلرِّبْحِ وَالخَسارَةِ خاطِئَة.(خاص “عروبة 22”)

About The Author