23 يوليو، 2026

قراءة في مذكرات وليد جنبلاط(1)

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=927387


قدر وليد جنبلاط أنه من المشرق ومولود في المختارة ويجمع السلالتين المتنافستين المتصارعتين قبل ولادته بمئات السنين، ربما من أيام القيسية واليمنية أو منذ مقتل بشير جنبلاط على يد بشير الشهابي، أو مقتل جده فؤاد على يد شكيب وهاب، “عن طريق الخطأ”، على ذمة الرغبة في درء الفتنة، مع أنهما كانا في جبهتين متواجهتين بين أنصار الثورة العربية ومؤيدي مشروع لبنان الكبير.
يقال إن الكتاب يقرأ من عنوانه. لكن “قدرٌ في المشرق” يقرأ في خاتمته حيث يقول وليد في ما يشبه الوصية لابنه تيمور: “أنا لم أكن كمال جنبلاط، وإبني لن يكون وليد جنبلاط. والدي أراد إخراج الدروز من قوقعة طائفية ليطلقهم في الفضاء العربي الواسع، أما أنا فقد عملت ما في وسعي لنخرج من الحرب الأهلية، وسأعمل على تعبيد الطريق أمام تيمور، الذي تمحور خطابه أمام مؤتمر الحزب حول العروبة والقضية الفلسطينية مع تشديده على دور يمكن أن يضطلع به شباب لبنان وشاباته.
“يؤخذ على وليد جنبلاط “تقلبه”. حاول البعض أن يسقط على مذكراته هذا المأخذ الشائع. التهمة ذاتها ألصقها الخصوم والمعارضون بجورج حاوي وأسموها “نطنطة”. قرأت سيرة جنبلاط بعين أخرى، وسأقول فيها ما قلته عن جورج حاوي.
“هذه ليست تقلباً، (ولا هي نطنطة) إنها فن قراءة التناقضات وفن إدارتها. في السياسة، كل طرف يمكن أن يكون حليفاً لك في أمر، ويمكن أن يكون، هو ذاته، خصماً في أمر آخر. الثورة الفلسطينية كانت حليفاً في مواجهة الصهيونية، وخصماً في موقفها من الوضع اللبناني. سوريا حليف دائم في مواجهة الامبريالية، ولو على طريقتها التي قد لا نوافق عليها، وخصم في ما يخص إدارة الشأن اللبناني. اليمين اللبناني كان خصماً في موقفه من القضية الفلسطينية ومن استدراج الوصاية السورية ومن عملية الإصلاح السياسي الداخلي، لكنه حليف في الدفاع المستجد عن الديموقراطية في مواجهة الوصاية.”
بهذا المعيار أقيس مواقف وليد جنبلاط وأرى فيها ثباتاً لا تقلباً، خلافاً لرأي شاع بين خصومه كما بين محبيه والمعجبين. صحيح أن الحكم على مواقفه يستند إلى منهج القراءة، غير أن وليد جنبلاط يعترف بأنه متسرع قليل الصبر. ربما كان إصراره على إصدار قرارَيْ حكومة فؤاد السنيورة حول كاميرات المطار وشبكة اتصالات حزب الله، ثم إصراره في اليوم التالي على التراجع عنهما، أفضل دليل على تسرعه. غير أن “الثبات” في المرتين تجلى أولاً في الوقوف ضد نهج الاغتيالات الذي فشل ضد مروان حماده وأودى بعد أشهر بحياة رفيق الحريري، وتجلى ثانياً بتبوئه موقع القيادة في جبهة 14 آذار ضد نظام الوصاية.
لوليد جنبلاط خصمان، النظام السوري والمارونية السياسية. هو ثابت على التحالف مع أحدهما ضد الآخر لتوفير شروط النجاح في معركته ضد واحد منهما لا ضدهما معاً. ضد النظام السوري لأنه استبدادي ولأنه قاتل والده ولأنه مخرب الوحدة الوطنية اللبنانية؛ وضد المارونية السياسية لأنها رفضت كل اقتراحات الإصلاح السياسي التي عرضت عليها منذ عهد كميل شمعون وحتى البرنامج المرحلي للإصلاح السياسي الذي طرحته الحركة الوطنية اللبنانية.
أحد أهم معاييره في التخاصم والتحالف هو ما عبر عنه في مذكراته عشرات المرات، ومنها في الخاتمة حيث أكد أمام ابنه تيمور على ضرورة الاستمرار بتنكب المسؤولية حيال الدروز والجبل وحيال الدور التاريخي للمختارة والبيت الجنبلاطي، وعلى أهمية الحفاظ على السلم الأهلي وعلى المصالحة التي هي “مصلحتنا المشتركة”.
على هذا المعيار بنى تحالفه مع المارونية السياسية في جبهة 14 آذار وأجرى مصالحة الجبل بمعية البطريرك صفير في مواجهة نظام الوصاية، وعليه أيضاً بنى تعاونه مع النظام السوري ضد الغزوة التي شنتها القوات اللبنانية على القرى الدرزية في الجبل وعلى الحزب التقدمي الاشتراكي.
كان على جنبلاط أن يسأل عما تسبب بفشل مشاريع البيت الجنبلاطي وكل مشاريع الإصلاح السياسي. ربما ستكون هي ذاتها عائقاً أمام مسيرة ابنه تيمور التجديدية. فهل يمكن، في مرحلة بناء الأوطان في ظل الحضارة الرأسمالية، أن نستمر بعقلية الشراكة والمحاصصة التي يقيمها زعماء الطوائف باسم الطوائف والتي يتغنى بها وليد جنبلاط في إشارته إلى أن اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي تضم في صفوفها عضوين من الشيعة وأربعة من المسيحيين واثنين من السنة؟ ذلك أن الأوطان لا يبنيها إلا مواطنون أحرار، أحرار حتى من القيد الطائفي
إن أزمتنا اللبنانية تطرح على تيمور والأجيال الشابة التي يمثلها تحدي العبور إلى وطن سيد حر مستقل بالاعتماد على مواطنين أحرار، من غير المرور بالمسالك التي فرضها علينا انتماؤنا إلى طوائف، ومن غير الإساءة، في الوقت ذاته، إلى تاريخ مجيد لهذه الطوائف سابق على بناء الأوطان الحديثة.
المقالة الثانية عن الحسب والنسب

About The Author