22 أغسطس، 2026

عروبة لبنان في مذكرات وليد جنبلاط(4)

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=931652


لم تكن العروبة محل خلاف ونزاع مثلما كانت في لبنان. العروبيون الذين شاركوا في الحرب الأهلية ذيّلوا صور شهدائهم بالعبارة التالية: سقط دفاعاً عن وحدة لبنان وعروبته. لكي يتحول لبنان من بلد ذي وجه عربي إلى بلد عربي الهوية والانتماء، كانت الكلفة باهظة على الوطن. قتلى وجرحى ومصابون بشظايا نفسية أو من أسلحة فتاكة، انهيار الاقتصاد والوحدة الوطنية، خراب ودمار وقرى أبيدت وتحولت إلى ركام وصارت كأنها قطعة من سطح القمر، على ما وصفها أديب الصحافة سمير عطالله.
رواد النهضة في لبنان من المسيحيين رفعوا شعار العروبة للتخلص من جور السلطنة العثمانية، لكن السلطنة صوّرت حرب الغرب عليها حرباً على الإسلام، ومطالبة الولايات العربية بالاستقلال عنها عملاً عدائياً ضد الإسلام، فأحيت التباساً في العلاقة بين العروبة والإسلام رافقنا على مقاعد الدراسة، ونحن نقرأ تاريخ هذه المنطقة وحضارتها وسير فلاسفتها وفنانيها (موسيقى وغناء) وشعرائها وكتابها.
أزيل هذا الالتباس بتسوية على امتداد العالم العربي تقضي بقيام أنظمة سياسية تنص دساتيرها أو أعرافها على أن يكون الإسلام هو دين رئيس الدولة فيها، إلا في لبنان، حيث قضى العرف باختيار رئيس ماروني على رأس الجمهورية. تحول هذا العرف إلى سبب دائم للأزمات السياسية، أو إلى ذريعة لتفجيرها، ولم يتأخر كمال جنبلاط في إعلان اعتراضه على هذا العرف، وتقول الرواية أن كميل شمعون وقع على تعهد بإلغائه، وبدل أن يلتزم بتنفيذه فجر أزمة ضد العروبة في وجه المد القومي بزعامة عبد الناصر.
في مذكرات وليد جنبلاط إشارات متفرقة إلى موضوع العروبة، مستلهماً فيها “خطى والده، الذي تميز ببعد النظر، والذي لم يكن له مثيل بين الطبقة السياسية”. كانت العروبة حاجة جنبلاطية لحماية طائفة الموحدين الدروز الموزعة بين لبنان وسوريا والأردن وفلسطين. الرباط القومي العربي كان كافياً، في نظر قيادات الطائفة، لرفض الانخراط في مشروع إقامة دولة درزية تضم الجولان ووادي التيم والشوف وتشكل تبريراً لقيام دويلات طائفية أخرى، مسيحية في لبنان وعلوية في سوريا وكردية في المنطقة الواقعة بين سوريا والعراق وتركيا وإيران.
من زاوية أخرى العروبة هي السجن الكبير المعادي للحريات السياسية وللديمقراطية. في أنظمة سوريا ومصر، خصوصاً أيام الوحدة، وكذلك في سائر بلدان الانقلابات العسكرية، طغيان حكم العسكر وأجهزة المخابرات وتعطيل الدساتير. غير أن ذلك لم يمنع قوى العروبة في “الحركة الوطنية اللبنانية” من قبول المساعدات المالية والعسكرية من تلك الأنظمة، بل ومن التطوع عسكرياً على جبهة الحرب الليبية التشادية انتصاراً لمعمر القذافي.
باسم العروبة تدخل النظام السوري في لبنان مع بداية الحرب الأهلية (1975) بل منذ اتفاقية القاهرة (1969)، وكان تدخله حاجة للأنظمة العربية ولبعض القوى السياسية اللبنانية. كمال جنبلاط طالب حافظ الأسد، في آخر وأشهر لقاء بينهما (خريف 1976) بإخراج قواته من لبنان. وليد جنبلاط قرر الانتظار على ضفة النهر ليرى جثة خصمه أو عدوه تمر أمامه، ولم يتأخر لحظة في زيارة دمشق للقاء الحاكم الجديد بعد انهيار نظام البعث فيها وهروب بشار الأسد إلى موسكو.
خلال فترة الانتظار الطويلة تلك، الممتدة من اغتيال كمال جنبلاط عام 1977 إلى انهيار نظام الاستبداد الأسدي، سادت بين وليد جنبلاط والنظام السوري علاقات متقلبة. هو نصير العروبة حين يحتاج إلى المساعدة في مواجهة المارونية السياسية خلال الحرب الأهلية أو في مواجهة القوات اللبنانية خلال الاحتلال الإسرائيلي، وهو نصير النظام السوري اعتراضاً على اتفاقية 17 أيار. من أجل ذلك قرر التحالف مع حركة أمل في ما سمي انتفاضة 6 شباط 1984، وخاض منفرداً معركة ضد رئيس الجمهورية أمين الجميل وضد الجيش اللبناني بقيادة ميشال عون في منطقة سوق الغرب.
في مذكرات إيلي سالم وزير الخارجية في عهد أمين الجميل ما يثبت أن اعتراض جنبلاط وسواه من اللبنانيين على اتفاقية 17 أيار هو استجابة لموقف النظام السوري الذي “لم يجد حاجة لإزالة الاحتلال الإسرائيلي”، والذي لم يكن سعيداً بزواله عام 2000، ربما لأن استراتيجيته تقضي بالامتناع عن التحرير (الممانعة) وبإرجائه إلى أجل يتيح له متابعة التجارة الرابحة باسم القضية الفلسطينية. وقد تابع النظام الإيراني، من خلال حزب الله، النهج ذاته بعد خروج القوات السورية من لبنان.
مع أن ظروف التفاوض على اتفاق 17 أيار قد تبدلت جذرياً، ظل وليد جنبلاط متمسكاً بموقفه القديم من أي مفاوضات مع إسرائيل، انطلاقاً من جملة معايير، من بينها انتماؤه العربي وعداؤه للمشروع الصهيوني وانحيازه للقضية الفلسطينية، وأهمها البحث عن حماية الطائفة الدرزية من خطر مواجهات محتملة مع حزب الله. الترجمة العملية لهذا الموقف مهادنة المشروع الميليشيوي على حساب مشروع الدولة.
العروبة في لبنان حكاية مد وجزر. أكثرها تأثيراً القضية الفلسطينية التي شكلت نقطة ارتكاز، لا للحضور العربي وحده، الناصري والخليجي، ولحروب البعثين السوري والعراقي على الأرض اللبنانية، بل للحضور الإيراني أيضاً الذي تسلم راية الممانعة وراح ينافس العروبة على قضية فلسطين.
ربما آن الأوان لصياغة مفهوم جديد للعروبة، لا في لبنان وحده بل في كل الأمة من المحيط إلى الخليج، عنوانه: الدولة قبل السلطة. الدولة قبل الأمة. حتى في فلسطين، لا حل إلا بالدولة.

About The Author