19 أغسطس، 2026

قراءة في مذكرات وليد جنبلاط (5) التجديد والتغيير

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=931237


رداً على سؤاله الشهير، إلى أين؟ يقول، لا أعرف. “إنها نكبة جديدة تحل، أمام أنظارنا، بعالم عربي مهدد بالزوال”…خمسون عاماً من الحياة السياسية لم أشهد فيها غير الصراعات، حتى تكوّن لديّ انطباع بأنني أعيش حرباً لا نهاية لها.”
يبدأ وليد جنبلاط مذكراته بكلام عن عبء التاريخ عليه. “عدد قليل من السلالة الجنبلاطية مات ميتة طبيعية. انا من الناجين”، يقول. ليست نكبة عائلة بل نكبة وطن إسمه لبنان أو إسمه فلسطين؟ أم هو العالم العربي “من المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط، كانوا يعدون الجنازة”، جنازة أحمد الزعتر الفلسطيني. تاريخ واحد لهذا الشرق يقرأه جنبلاط في شعر محمود درويش أو في كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق. فيهما يرى كيف ينظر الغربيون إلى الشرق بعينٍ إمبريالية.
في التمهيد للمذكرات قال وليد جنبلاط إن عام 2023 كان صاخباً وحاسماً. الطوفان والإسناد وهروب بشار الأسد من دمشق واضطرابات دموية في السويداء. قبله بأربع سنوات (2019) انفجرت ثورة في لبنان. ثورة “جيل سيعرف أكثر من جلينا تحديات عالم الغد”، “جيل إبني تيمور والطبقة السياسية اللبنانية الجديدة التي تظهر على الساحة رغم نزعة محافظة لدينا لا تحول ولا تزول”، “جيل الشباب اللبناني المتألق في أربع جهات الأرض، الذي لا يوفر له نظامنا المتحجر الرجعي إلا القليل من الفرص”.
من حقنا، يقول وليد جنبلاط، أن نحلم بلبنان جديد تخيله والدي حين حرض على “الثورة من أجل قيام دولة ديمقراطية حقاً”. أما أنا، يضيف، “فأمنيتي أن يكون لبنان نموذجاً ومثالاً في العالم العربي، بعيداً عن الفساد والدكتاتوريات. كما أنني أفكر بأولئك الذين انتفضوا في بيروت عام 2019 ضد الطبقة السياسية، وأقول لهم لا تتخلوا عن إيمانكم بالمستقبل، وتابعوا العمل لإزالة العقبة الأساس أمام بناء لبنان جديد، أي النظام الفئوي الطائفي”.
“شباب ثورة 2019 رفضوا الجميع، لم يستثنوا أحدا، بمن فيهم أنا… كنت مستهدفاً شخصياً كما سائر الشخصيات السياسية…تجمع المحتجون تحت نوافذ منزلي ووجهوا الشتائم”، يقول في المذكرات. وأنا “رفضت المشاركة في التظاهرات الشبابية، وكان هدفي المحافظة على السلام الداخلي… كنت أخشى من تدهور الوضع بين الشيعة والدروز”… خصوصاً بعد أن رُفعت الفائدة على الودائع إلى ما بين 10 و15% وانهار المصرف المركزي، فتراكمت الأزمات. كورونا وانهيار مالي ومصرفي وثورة شبابية. لم يكن جميع المحازبين موافقين على موقفي هذا، ورد بعضهم بالانسحاب من الحزب.
عندما اندلعت الثورة، في البداية ضد غلاء المعيشة، بدا لجنبلاط أن صفحة جديدة فتحت، وأن الوقت حان لينسحب ويتخلى عن القيادة لإبنه تيمور. يقول في مذكراته، لم أكن كمال جنبلاط وتيمور لن يكون وليد جنبلاط. كمال أراد أن يخرج الدروز من قوقعتهم الفئوية إلى رحاب العالم العربي، وحاولت بدوري أن أخرج الوطن من الحرب الأهلية، وسأرافق تيمور لتسهيل مهمته في قيادة عملية التغيير في الحزب وفي الوطن. “الحياة باتت قصيرة والمستقبل غامض”.
وليد جنبلاط كان واضحاً وجريئاً في انحيازه إلى التجديد، لكنه انحياز مكبل بآليات المشاركة في منظومة سياسية متهمة كلها بالفساد. هو مع الثورة والتغيير وجيل الشباب، لكنه جزء من الطبقة السياسية “المغضوب عليها” وشريك الميليشيات المتهمة بتدمير البلد. هو مع الدستور والدولة لكنه جزء من نظام المحاصصة. هو ضد الفساد ومتهم مع كل المنظومة بتهريب الأموال إلى الخارج. خاض “حرب العلمين” ضد نبيه بري، ثم لا يتردد في اعتباره الضمانة وصمام الأمان لحماية السلم الأهلي؛ هو حريص على الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية داخل طائفة الموحدين، لكنه تعاون مع البطريركية المارونية ضد المارونية السياسية. يقود حزباً علمانياً قاعدته من طائفة واحدة، ما جعل اللبنانيين لا يترددون في أن يساووا بينه وبين سائر الأحزاب والتجمعات والحركات الطائفية اللبنانية، القوات اللبنانية وحركة أمل وحزب الله وحركة المرابطون، وقد لحقه بفعل ذلك بعض الظلم.
ذات يوم من “أيام 14آذار”، التقيت به بعد خطاب مليئ بالغضب ضد بشار الأسد، وبعد تصريح طريف عن لقاء “قيس نصر الله وليلى عون”، وبعد مقالة وجّهْتُها إليه عنوانها، “كلام صريح مع وليد كمال جنبلاط”، ذكرت فيه اسم والده لأذكره بأن كمال جنبلاط صار زعيم الدروز والسنة والشيعة وزعيم الأحزاب اليسارية والقومية، وزعيم “الجبهة العربية المساندة للثورة الفلسطينية”، وعلى قاب قوسين وأدنى من تحقيق حلمه بالزعامة الوطنية من خلال بناء نظام ديمقراطي حقاً، لأن قاموسه السياسي كان خالياً من المفردات الطائفية، ولأنه كان أكثر جرأة على خوض غمار التجديد والثورة.
لا تجديد من غير يسار جديد. اليسار حاجة للبلاد. لكن اليسار القديم مات، وبات من المستحيل بعثه حياً. بلادنا وكل البلاد بحاجة إلى يسار جديد يعيش تحت عباءة الدولة ويناضل من أجل إعادة بناء دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والحريات والديمقراطية. مثل هذه الدولة لا تبنى بالمحسوبيات والمحاصصة الحزبية، ولا بالتمسك بشعارات مبنية على زجل طائفي كالعلمنة وإلغاء الطائفية السياسية والتعايش والعيش المشترك والجناحين.
مثل هذه الدولة لا تبنى إلا باحترام الدستور وتطبيقه وتطويره وتعديله بالنضال السلمي لا بالحروب. على هذا اليسار الجديد ألا يتخلى عن أحلامه الكبرى، وإلى أن ينجح في إعادة صياغتها، عليه أن يبني إطاراً تجتمع تحت خيمته كل القوى المخلصة لشعار، لا حل إلا بالدولة. خطاب وليد جنبلاط في مؤتمر الحزب الذي سلم فيه الأمانة لإبنه تيمور كان واعداً، لكنه وعد مأسور بالتردد بين حلم يساري مستحيل وتقاليد ميليشيوية يمينية ويسارية قضت على الوطن والدولة.
اليسار الجديد، كما لبنان الجديد، لا يبنى بالتمني بل يحتاج إلى جيل ومخيلة وهندسة ومنهج في التفكير والعمل تغرف كلها من ينابيع الابتكار، وليس أغنى من لبنان بمبتكرين يمكن أن يأخذوا بأفضل ما في تجربة اليسار اللبناني الشيوعي بقيادة جورج حاوي والاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط وأفضل ما في مذكرات وليد جنبلاط، لعل تيمور يكون الحصان الرابح في سباق البدل.

About The Author