https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=909291
يدور في هذه الأيام نقاش بين اللبنانيين حول دور المؤسسة العسكرية في معالجة الأزمة المتعلقة بسلاح حزب الله. البعض يدين تلكؤها في فرض هيبة الدولة، ويحمّل رئيس الجمهورية الجزء الأكبر من المسؤولية لوقوفه وراء تردد قائد الجيش ودفاعه عنه، ولاعتماده على إيجابية متوهمة في موقف رئيس مجلس النواب، ويحمّل الجزء الأصغر منها للحكومة التي “تقرر ولا تنفذ”.
بيد أن بعضاً آخر من اللبنانيين يرفضون مطالبة الجيش استخدام العنف لتنفيذ قرارات الحكومة، لا خوفاً من انقسامه، ولا من تجدد الحرب الأهلية، ولا استخفافاً بقدرته ولا استهوالاً بإمكانات حزب الله العسكرية، بل لأن التجارب كلها أثبتت عدم جدوى الحلول العسكرية لا في تحرير فلسطين ولا في إحداث تغيير في بنى الأنظمة السياسية، ولأن التجربة الناجحة التي يمكن استلهامها في إدارة الأزمة هي تجربة فؤاد شهاب في قيادة الجيش اللبناني خلال أزمة 1958.
ما من أحد أو حزب غير معني بالسؤال عن دور الجيش. ولكل جوابه. دار حول الموضوع حوار بين صديقين يساريين من خريجي المدرسة الشيوعية، محمد فران وحسين حرب، استحضرا فيه مقولة “التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي” العزيزة على الفكر اليساري، وسأتدخل بينهما منحازاً، مغلباً الطابع النظري على السياسي في النقاش، لأنني توصلت بفضل هذا المنهج إلى خلاصات مغايرة.
يقول محمد فران: “في الحرب القائمة بين الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى، لا يمكن الوقوف على الحياد. أجد نفسي منحازًا إلى تحالف إيران وحزب الله بداهة بمواجهة العدوانية والإجرام الاميركي الصهيوني، التي تهدّد لبنان ومعظم دول منطقتنا. وعلى الرغم من صحة قرار الحكومة اللبنانية بحصرية السلاح بيد الدولة، إلا أنّ تنفيذ هذا القرار في الظرف الراهن سيخدم اسرائيل وأميركا، ويضعف جبهتنا الداخلية”.
يرد عليه حسين حرب بقوله: “هل تصلح مقولة التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي لقراءة وتفسير حالة كحالتنا؟ إن مجرد الابتداء اليوم، منا نحن اللبنانيين تحديداً، بالسؤال أين نقف في الصراع بين امريكا وإسرائيل من جهة وإيران وحزب الله، مجرد إغفال لبنان والدولة اللبنانية واللبنانيين وإحلال حزب الله محلهم إلى جانب ثلاث دول، خطأ جوهري.”
للمصادفة، نشر الصديقان مقالتيهما مع صدور كتابي، نهاية حزب الله وسائر الأصوليات. في إطار الجواب على السؤال الشهير الذي طرحه شكيب إرسلان، لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون، أوردت في مقدمته تمهيداً يصلح كمشاركة في النقاش معهما. قلت فيه:
“بدأت، على طريقة المنهج البنيوي، باستبعاد السرديات غير الصحيحة. استبعدت أن يكون الاستعمار أو إسرائيل السبب الأساس في تخلف يفيض عمره عن عمر الألفية الثانية، لأن وجوده سابق على وجودهما. فهو بدأ مع انهيار الدولة العباسية وغزوات تيمورلنك وهولاكو وإحراق مكتبات بغداد، واستمر في ظل حكم المماليك والعثمانيين؛ ولأن بلدانًا لم تخضع للاستعمار متل سوريا والعراق واليمن، وأخرى بعيدة جغرافيًا عن تأثيرات الاستيطان الصهيوني، متل الصومال والسودان والجزائر وليبيا، أودى بها التخلف إلى متاهات الحروب الأهلية.
استبعدت أيضًا أن يكون الدين، على ما يدعي العلمانيون، أو “الابتعاد” عنه، على ما قالت الوهابية، سببًا للتخلف. ذلك أن الحضارة العربية بلغت ذروتها في ظل سيادة الفكر الديني، حيث برزت أسماء من رواد الحضارة في الفلسفة والعلم والأدب من بينهم مؤمنون وملحدون على حد سواء.”
“استبعاد هذين الحقلين، الدين والاستعمار، عن اعتبارهما السبب التأسيسي للتخلف، مع عدم استبعاد دورهما في إطالة عمره، يقود إلى الاستنتاج أن السبب الحقيقي يعود إلى فشل العالم العربي في تحقيق الانتقال من حضارة الأرض أو الخراج إلى حضارة المصنع والمختبرات العلمية، أي من الإقطاعية إلى الرأسمالية، بل فشله في مواكبة هذه العملية ورفضه التكيف معها والانخراط فيها، لأنه كان يحمل معه عقدة تفوقه الحضاري على أوروبا ما قبل القرون الوسطى، ولأن السلطات الحاكمة فيه لم ترفض التكيف، وهذا هو الأهم، إلا مع النسخة السياسية المستحدثة في حضارة تدعو إلى قيام الدولة الدستورية، الملكية أو الجمهورية، بديلًا من الخلافة. لذلك رأت في المشروع “الغربي” اعتداءً على التقاليد السياسية الموروثة على امتداد العصرين الأموي والعباسي وصولًا إلى خمسمائة عام من حكم السلطنة العثمانية.”
سرني أن يتجدد النقاش بين يساريين، لعل ذلك يعيد الاعتبار لانقسامات غير طائفية وغير مذهبية في لبنان، ولعلنا نستعيد به حيوية ثقافية ذات طابع وطني غابت بغياب اليسار، أحزاباً ومفهوماً، عن ساحة العمل السياسي.
إذا كان لا يمكن تقديم إجابة صحيحة على سؤال مغلوط (مهدي عامل)، ولا تقديم معالجة صحيحة للثنائيات المغلوطة (محمد عابد الجابري)، فمن الطبيعي أن يكون اختيار محمد فران مغلوطاً لأن الفرق بين الجبهتين، إيران من جهة وإسرائيل وأميركا من جهة أخرى، هو كالفرق بين الذئب والضبع، بحسب العبارة الجبرانية التي قارن فيها بين الشرق والغرب. صاحب الاختيار بين مستبدين لا ينقذه انحيازه لأحدهما من أن يكون الضحية الأولى بعد أن ينجلي غبار المعارك، وينطبق عليه قول المتنبي:
ومن يجعل الضرغام للصيد بازه……… تصيده الضرغام في ما تصيدا
ربما آن لليسار أن يصوغ هويته على ضوء التغيرات الجذرية التي طرأت على خريطة الصراع في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والتجربة الاشتراكية، وخصوصاً بعد انهيار ما كان يسمى حركة التحرر الوطني وجبهة الصمود والتصدي والأنظمة التقدمية في العالم العربي، إذ ثبت بما لا يدع أي مجال للشك في أن اليسار الحقيقي اليوم ليس من يدعو إلى بناء الاشتراكية أو إلى الوحدة العربية، ولا من يدعو إلى التحالف مع مستبد ضد مستبد آخر، بل هو من يدعو إلى الحفاظ على الوطن الذي ينتمي إليه وعلى صونه ضد الحروب الأهلية وحمايته من التفكك. اليساري اليوم هو من شعاره، لا حل إلا بالدولة.
الدولة المقصودة ليست دولة البروليتاريا ولا دولة الانقلابات العسكرية ولا دولة الولي الفقيه، بل هي دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والديمقراطية والحريات العامة والعدالة الاجتماعية. هي بالتعبير الصريح الدولة التي قدمتها الحضارة الرأسمالية والتي تشكل، حتى إشعار آخر، ضمانة ضد توحش النظام الرأسمالي.
في أيامنا الحزبية الأولى، كان المسؤول يتلو علينا تقريراً سياسياً يتناول فيه الصراعات في العالم بين المعسكرين، وفي العالم العربي بين مكونات حركة التحرر الوطني، بين البعث العراقي والبعث السوري أو بين حافظ الأسد وياسر عرفات أو بين التنظيمات الفلسطينية، وكان أحد الظرفاء يختصر المشهد بسؤال تهكمي عن التحالفات قائلاً، في هذه اللوحة المعقدة المتشابكة مع من نحن وضد من؟ ربما يكون الجواب الجاهز دوماً هو الذي أفضى باليسار إلى التهلكة بين مطرقة مستبد وسندان مستبد آخر.
الجواب اليساري الصحيح اليوم، نحن ضد الاستبداد ومع الديمقراطية. نحن مع شعبنا ووحدتنا الوطنية. نحن مع وطننا ومع الدولة السيدة على حدودها وداخل أراضيها. ونحن ضد كل معتد عليه وعليها أياً يكن أصله وفصله ولغته ودينه.
مقالات ذات صلة
فضائح اللبنانيين في حفرة رون آراد
نهاية حزب الله وسائر الأصوليات: في منهج البحث
مهزلة الخوف على التاريخ