https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=909550
من الناقورة إلى تل عباس قرب النهر الكبير، لم تنج قرية لبنانية من كارثة. معارك ومجازر ودمار. في كل قرية ومدينة وفي كل حي من أحيائها ذكريات حزينة ومريرة وصور شهداء. قرى لبنان كلها نالت نصيبها من الخسائر، بشراً وحجراً وضرعاً وزرعاً ودفعت ثمن الحروب المتناسلة التي لم تنقطع.
حصة القرى المسيحية في جنوب لبنان من الخسائر هي الأكثر امتداداً في الزمن. من أول حياة الجمهورية حتى حربي الطوفان والإسناد وآخر اجتياح إسرائيلي. من قرابين أول مجزرة طائفية في قرية عين إبل حتى استشهاد ثلاثة من شبابها ثمن إصرار أهلها على الصمود في الأرض.
في شهر أيار عام 1920قيل إن عصابات مدعومة من الخارج ومعادية لقيام دولة لبنان الكبير شنت هجوماً على قرية عين إبل أدى إلى مقتل مئة شخص وإلى تهجير السكان بأكملهم طيلة أشهر، وخربت خلاله القرية ونهبت وأحرقت المنازل. قائد تلك الحملة يومذاك كان أدهم خنجر الذي يعتبر في نظر بعض المؤرخين من الثوار ضد الاحتلال الفرنسي، فيما رآه البعض الآخر واحداً من طفّار تلك المرحلة مع رفيقيه، ناصيف النصار وصادق حمزة.
أحفاد الذين قتلوا في تلك المجزرة ما زالوا يتداولون تفاصيل الحادثة نقلاً عن لسان من عاصروها من الأجداد. ويؤذيهم تخليد قائد المجزرة بإطلاق اسمه على القاعة التي يستقبل فيها رئيس مجلس النواب نبيه زواره في دارته في منطقة المصيلح، قاعة أدهم خنجر. التذكير بالاسم هو، في حد ذاته في نظرهم، نكء جرح لم يندمل بعد.
إطلاق الاسم على القاعة لم يكن القصد منه إحياء ذكرى المجزرة. بل ربما كان تعبيراً عن التمسك بعروبة الجنوب في مواجهة محولة السيطرة الإيرانية عليه عن طريق حزب الله اللبناني في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، والله أعلم! ذلك أن أدهم خنجر كان، في نظر البعض، نصيراً للثورة العربية وقيل إن الجيش الفرنسي قتله بعد استدراجه من دارة سلطان باشا الأطرش.
الاختلاف في الرواية وتأويلها يختصر الصراع على كتابة تاريخ لبنان. يقال إن أدهم خنجر نفذ قرارات “مؤتمر وادي الحجير”، التي هي الأخرى محل خلاف بين المؤرخين. تستعاد الحكاية ذاتها كلما تعرضت القرى المسيحية في جنوب لبنان لحوادث مؤلمة، ويستعيد المتطرفون المسيحيون اتهام شيعة لبنان بالوقوف ضد لبنان الكبير.
قبل الاستقلال لم يكن صراعاً بين الشيعة والمسيحيين، بل بين الجمهورية والطفار. بعد الاستقلال ساد الهدوء بقوة الهدنة مع إسرائيل وبقوة الدستور والقوانين في لبنان. مع الحرب الأهلية جنت المارونية السياسية على تلك القرى عندما عينت سعد حداد قائدا عسكرياً متعاوناً مع قوات العدو فتعممت بسببه على مسيحيي الشريط الحدودي تهمة الانحياز إلى العدو ضد العروبة وقضيتها الكبرى، فلسطين، ولم ينته التوتر مع تحرير الأرض عام 2000.
بعد التحرير تولت الشيعية السياسية التصويب على تلك القرى، ولا سيما بعدما صار الثنائي، رغم أنف المواطنين من كل الطوائف ولا سيما المسيحيين منهم في القرى الحدودية، حاكماً بأمره في الجنوب وفي كل المناطق اللبنانية، ومتحكماً بإدارات الدولة وأجهزتها، خصوصاً بعد تحالفه مع ميشال عون والضغط لانتخابه رئيساً للجمهورية.
مع الشيعية السياسية استبيحت خصوصيات القرى وانتهكت ممتلكاتها وصودرت مشاعاتها، أسوة بسواها من القرى الشيعية والسنية، ولم يعد سكانها خاضعين للدولة وقوانينها بل للثنائي الذي أقام دولة داخل الدولة وتولى بمفرده إعلان الحرب على إسرائيل وإسناد حماس في غزة، إلى الحد الذي بات فيه “نقل مجرى نهر الليطاني إلى الحدود جنوباً أسهل من نقل ميليشيات حزب الله شمالاً”. في ظل تلك الظروف تعرض سكان القرى المسيحية للقمع والقهر وبعضهم للاغتيال.
إما أن تكون مع العروبة أو أنت ضدها. هذا كان الخيار المغلوط المفروض فرضاً على مسيحيي لبنان. المارونية السياسية لم تحسن الرد ولا الاختيار، حين أغفلت أهمية الموقف التاريخي للبطريرك حويك صاحب الدعوة إلى تأسيس الجمهورية اللبنانية، والدور التاريخي لرواد النهضة من مسيحيي لبنان الذين نادوا بالعروبة ليحرروا بلداننا من الاستبداد العثماني. من جهة أخرى أدى الخلط بين العروبة والإسلام إلى إلحاق الضرر بالتجربة اللبنانية وأعاق تنظيم التعدد، وهو أمر يتحمل مسؤوليته الإسلام السياسي الذي رأى في الدعوة إلى التحرر استبدال استبداد عثماني بآخر قومي عربي أو إسلامي.
الخيار الوحيد الصحيح أمام القرى الحدودية المسيحية في الجنوب وأمام كل قرى الجنوب وأمام كل قرى لبنان ومدنه وكل طوائفه هو الدولة، ولا شيء غير الدولة. دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة والعدالة الاجتماعية.
مقالات ذات صلة
مع حسين حرب أو محمد فران. حوار يساري بين لبنانيين
فضائح اللبنانيين في حفرة رون آراد
نهاية حزب الله وسائر الأصوليات: في منهج البحث