1 يوليو، 2022

خطوة واحدة ويصبح جعجع

رئيس الجمهورية الكتائبية

        قرار المكتب السياسي لحزب الكتائب خطير جداً. وإنْ كان في ظاهره مجرد ترتيبات تنظيمية داخل البيت الواحد. فقد شكّلت القيادة الجديدة التي تقرَّر استحداثها محاولة للتوصل إلى حل وسط بين المنطق الذي ساد داخل الحزب، وبقيادة غير معلنة من قِبَل رئيس الجمهورية أمين الجميّل، والمنطق الذي ساد خارج القيادة الرسمية، بقيادة معلنة من قِبَل عدد من الرموز التي أشبعت بتعاليم الفاشية، وبأفكار بشير الجميّل حتى الثمالة، وحتى استحالة الموافقة على حلول وسط. وهنا بالضبط تكمن الخطورة! فعلام جرى الاتفاق إذن؟

        المكتب السياسي قرَر منذ شهرين طرد سمير جعجع من قيادة الحزب، أي من عضوية المكتب السياسي، وهو نفسه يعيده ليس فقط إلى عضوية أعلى هيئات الحزب، بل إلى عضوية لجنة تقود أعلى هيئات الحزب وتوجهها في هذه المرحلة “الاستثنائية”. إلى ذلك يمكن أن نضيف أنّ سمير جعجع ليس وحده هذه المرّة. فقد دخل إلى “لجنة الإنقاذ” مع رهط من جماعته التي استعصى على الحزب تطويعها، وهي نفسها “الجماعة” التي ارتبط باسمها عدد هائل من أحداث هذه الحرب، لا سيما تلك التي تشكّل علامة بارزة في تاريخ الفاشية اللبنانية كجازر صبرا وشاتيلا، والسبت الأسود وغيرهما.

        كان سمير جعجع قد طرح مع بداية حركته العودة إلى الأصول الأولى للمشروع كما وضع لمساته الأخيرة عليها بشير الجميّل، ويذكر المراقبون أنّ تلك اللمسات قد استبعدت بصراحة ووضوح نهج أمين الجميّل قبل أن يُنتخَب طبعاً رئيساً، وكان تبرير ذلك اتهامه بالميل الدائم إلى الحلول الرمادية، بينما كانت مدرسة بشير الجميّل تميل إلى الحسم، أي إلى منطق الأسود أو الأبيض واستبعاد كل الألوان الأخرى. وقد بدا ذلك واضحاً في السجال الذي دار بين “الفريقين” عند قيام الانتفاضة، حيث اتهم جعجع رئيس الجمهورية بأنّه صاحب الحلول المائعة، وحمّله مسؤولية الهزائم التي يمنى بها المشروع الكتائبي، واعتبر أنّ موقفه من حلفائه، كمواقفه من أعدائه، يتميّز بعدم الحسم وبعدم الوضوح، ولذلك، كما تقول أوساط جعجع، لم يتمكّن أمين الجميّل من أن يصادق بعمق أو أن يعادي بشراسة، وهذا ما جعله متأرجحاً على الدوام بين الحل “الإسرائيلي” والحل “السوري” أو بالأحرى بين الخيارين.

        إذا مضى هذا المنطق إلى نهايته يمكن للمراقب السياسي أن يتلمّس بدقة أسباب الخلاف بين “الفريقين” وأسباب اللقاء أو الاتفاق، كما تجلّى في قرار المكتب السياسي لحزب الكتائب. وفي هذا المجال يمكن التمييز بدقة بين أن تكون لجنة الإنقاذ محاولة لرأب الصدع وبين أن تكون لجنة لإدارة حرب الرمق الأخير. قد يكون الرئيس أمين الجميّل من المتوهّمين بوجهة النظر الأولى، غير أنّ جعجع وجماعته على يقينٍ ثابت أنّ الخلل اوحيد لجملة مشاكلهم هو في المضي بالحرب حتى نهاياتها، وأياً تكن تلك النهايات.

        هل تخلّى أمين الجميّل عن “رماديته”؟ وهل ندم جعجع على صبرا وشاتيلا والسبت الأسود؟ بالتأكيد لم يغيّر أحد رأيه أو موقعه أو عادته وطريقته في إدارة الأمور. لكن يمكن الجزم براحة ضمير أنّ قيادة الإنقاذ الجديدة هي الإطار الذي يسود فيه منطق الجعاجعة، كمرحلة أولى على طريق سيادة اللون الواحد. إذذاك سيطلب من ممثلي الرئيس الجميّل في لجنة الإنقاذ الاختيار بين أمرين: إمّا الرضوخ بالكامل لمنطق الأسود والأبيض وإمّا التنحي. ومن الأرجح انخراط الجميع في لون المشروع الأصلي، لسبب بسيط وهو أنّ لهذا المشروع منطقه، وأنّ له آليته، وأنّ له طبيعته. فهو لا يستطيع أن يتحمّل حلولاً وسطى بسبب ذهابه في طريق العنف حتى النهاية، وهناك ينتهي الفارس إمّا قاتلاً إمّا مقتولاً.

        ليس في مثل هذا الاستنتاج أي نوع من التجني. فقد عرضت جهات لبنانية وأخرى عربية أو دولية عشرات الاقتراحات بحلٍّ وسط، كما توفرت ظروف من التوازن الداخلي وتكرّرت هذه التوازنات بضع مرّات، وكان الجواب الدائم والكلمة الجاهزة بين شفتي المشروع الكتائبي: إنّهم الغرباء وسنبقى نقاتل. حتى إذا ذهب مَنْ أسموهم الغرباء استمروا على تصلُّبهم الذي لا يبرّره حساب علمي لموازين القوى، فاستدرجهم منطق الحرب والدم إلى حيث لا يجدون مَنْ يتصالحون معه، أي إلى حيث ألغوا أيّة إمكانية لاستمرار ما يسمّونه “التعايش” بين الطوائف، أو ما يسمّيه البعض حلاً على ظهر الطائفيين، وعلى أنقاض دولتهم الهرمة. ويمكن أن نذكر ببعض المحطات كالوثيقة الدستورية، واتفاق بيت الدين، حيث قدمت الأولى من قِبَل سوريا، والثانية من قِبَل لجنة المتابعة العربية. وكان الجواب في الحالتين الرفض الكامل لأيّة “مساومة” والمضي في حرب “المبادئ” حتى “آخر مسيحي في لبنان” كما قال جوناثان راندال في كتابه حرب الألف عام.

        لماذا لجنة الإنقاذ اليوم؟ ألم يكن ممكناً قيامها قبل ذلك؟ يذكر المراقبون جيداً أنّ الرئيس الجميّل طلب من المعارضة ومن الرئيس الأسد مهلة شهرين لكي يتمكّن من القضاء على تمرُّد سمير جعجع، لكن الوقائع أثبتت أنّ سمير جعجع لم يكن بحاجة إلى كل هذه “المهلة” لكي يقضي على “طواعية” الرئيس. فقد تمكّن، قبل أوان الهزيمة الإسرائيلية، من أن يدمر في محيط صيدا، وفي إقليم الخروب، بيوت كافة المسيحيين، وذلك من خلال عملية النهب المنظّمة لبيوت المسلمين، ومن خلال حملة التهجير الجماعية التي فرضها على اللبنانيين “الغرباء” عن نهجه، ومن خلال القصف اليومي الذي وجّهه ضد مدينة صيدا. والمقرّبون من جعجع يعرفون جيداً أنّه قال: لن أترك مدينة صيدا وضواحيها إلاّ بعد تحويلها إلى ملعب كرة قدم. وقد كان يعرف ماذا تمثّل هذه المدينة الرمز، هذه العاصمة الصغيرة للمناطق المحرّرة من الاحتلال الإسرائيلي. وإذا كانت تصريحاته هذه، على غرار مشروعه، لا تستند إلى مقوّمات، فإنّه تمكّن، في الحقيقة، من أن يحوِّل “جبانة” مخيم عين الحلوة فعلياً إلى ملعب لكرة القدم، فداس فيها على أجيال سابقة، أي على قِيَم وتاريخ. لا شك أنّه يعرف جيداً أنّ في ذلك فقط وسيلة لتهجير المسيحيين من أجل الاستفادة منم، وهم مهجّرون، وذلك بتجييشهم من جديد، ورفد القوات اللبنانية بالمقاتلين.

        وهكذا كان منطقه في كافة المناطق التي يتواجد فيها المسيحيون إلى جانب المسلمين. هكذا فعل أيضاً في منطقة إقليم الخروب ذي الأغلبية السنّية. لكن حسابات المشروع الفاشي هي على الدوام حسابات انتحارية لا تفسّرها الرياضيات القديمة ولا الحديثة. فالجعاجعة يتحدثون عن “حضارتهم المتميّزة”، بينما لم يتركوا حيثما مرّوا إلاّ الدمار والخراب، ويكفي لأي مراقب أن يستنتج ذلك من خلال جولة يمكن القيام بها في أنحاء لبنان كافة. فالحروب أو بالأحرى المعارك لم تقم حيث يتواجد المسيحيون والمسلمون، بل حيث تتواجد القوات العسكرية الكتائبية، ولذلك بقيت مناطق مسيحية عديدة في منأى عن المعارك بسبب عدم وجود القوات فيها.

        بعد الانسحاب الإسرائيلي، وبعد هزيمة الكتائب في صيدا وإقليم الخروب باتت القوات اللبنانية أخيراً عارية من الامتيازات التي حازت عليها بفعل الاجتياح الإسرائيلي، وأصبحت اليوم مهدّدة بأن تخسر من “رأسمالها” بعد أن استمرت تخسر، طيلة عامين، من “ربحها”. وها هي اليوم وليس بين يديها إلا الغيتو الذي سيّجته بالمجازر والإرهاب، وبتاريخٍ طويل من التدمير لا سيما تدمير شعارات حزب الكتائب: الله، الوطن، العائلة. حيث جسّدوا في سلوكهم طعنة في صميم التعاليم السماوية، وزجّوا بالوطن في أتون حرب ضارية، وفرضوا على كل عائلة لبنانية ضريبة غالية بالأرواح والدماء كان منها ضريبة عائلة الجميّل نفسه رئيس حزب الكتائب.

        بعد هذه الضربات ما يزال السؤال نفسه مطروحاًعلى مسؤولي الكتائب والقوات اللبنانية: هل يمكن التوصل إلى إنقاذ لبنان من الحرب بالاتفاق على حل سياسي يوحّد الوطن أرضاً وشعباً ومؤسسات؟ وها هو حزب الكتائب يسارع بالإجابة على السؤال من خلال قرار هو في الحقيقة شكل من أشكال إعلان الحرب.

        إزاء هذا القرار ما الذي سيحصل؟ لا شك أنّ القرار الاستفزازي هذا مؤشر على وجهة الأزمة. إنّها باتجاه حروب النهاية. والنهاية هي إعلان واضح وصريح من قِبَل حزب الكتائب والقوات اللبنانية وكافة الفئات الطائفية يتضمن تخلياً لا لبس فيه عن المشروع الذي انطلق في عام 1975 واكتمل على يد بشير الجميّل، ويتضمّن الإعلان موافقة غير مشروطة على ضرورة بناء وطن جديد يتجاوز صيغة تجمع الطوائف و”التكاذب” المشترك حسب تعبير أحد الزعماء. والمرجّح أنّهم لن يفعلوا ذلك طوعاً.

        هل يحتاج المرء من الحروب لكي يقتنع أكثر ممّا يحتاج منها لكي ينهزم؟ ربما نعم فكثيراً ما لا تقتنع الفاشية بهزيمتها.