5 يوليو، 2022

فرنسا المصدر الثالث للأسلحة في العالم

البلدان الفقيرة تفضّل السلاح على الخبز

        100 ألف عامل فرنسي يعيشون على حساب الصناعة العسكرية التي تصدّرها بلادهم إلى الخارج، بينما يعيش مئتا ألفٍ على حساب الفرنسيين أنفسهم وذلك لأنّهم يعملون في قطاع صناعة الحرب التي يستخدمها ويستهلكها الجيش الوطني.

        هذا العدد الهائل من المواطنين المستفيدين من تصدير الأسلحة هو الذي منع الحزب الاشتراكي من تنفيذ ما كان قد وعد به ناخبيه. فقد كان يأمل خلال الحملة الانتخابية عام 1981 بأن يخضع السياسة التجارية إلى قوانين الأخلاق، فيقلّص من حجم الصادرات الحربية، ويضاعف من المبيعات السلمية. غير أنّ مصلحة مواطنيه، وصعوبة تأمين مصادر أخرى للدخل في بلاد تعصف بها صعوبات اقتصادية هائلة، منعتاه من الإقدام على خطوته “الأخلاقية” وأقنعته، بسهولة فائقة بأنّ قوانين السياسة لا تقاس بغير المصلحة ولا تمليها إلاّ قوانين التبادل وحسابات الأرقام الدقيقة.

        غير أنّ الحكومة الاشتراكية أقدمت على إجراء بعض التعديلات الطفيفة في هذا المجال فوضعت معياراً لاختيار الزبائن، بات التصدير على أساسه يهتم بهوية العملة ومصدرها ولا يستسهل البيع لأي كان دون أن يأخذ بالاعتبار سمعة هذا الزبون، على المستوى العالمي. فامتنع، على سبيل المثال، أن يبيع لأنظمة عنصرية أو فاشية. كما لجأت إلى تصدير التكنولوجيا مع الأسلحة، حتى لا يُقال عنها أنّها تبيع فقط أسباب الحرب، فالتكنولوجيا مصدر للتطور يمكن استخدامه في الحرب كما في السلم، مع أنّ ذلك يحمل بعض المخاطر على هذا المورد الهام، مخاطر تنجم عن نقل الخبرة وتعليم الزبائن فنون الصناعة بعد تعليمهم فنون تجميع القطع في المرحلة الابتدائية.

        تحتل فرنسا الموقع الثالث في قائمة البلدان المصدِّرة للأسلحة. فهي تقع بعد الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي اللذين يصدّران معاً ما نسبته 70%  من حجم المبيعات العالمية. ويتراوح حجم المبيعات الفرنسية بين 7% و12% تبعاً للإقبال على الشراء ولاحترام الأوضاع السياسية والأمنية. ولا تستثني فرنسا من عملية البيع سوى الصناعات النووية الممنوعة مبدئياً. وتشتمل المبيعات على 52% من التجهيزات الجوية، و35% من التجهيزات الخاصة بأسلحة البر، و13% من البحرية. يُضاف إلى ذلك أنّ ستة آلاف اختصاصي أجنبي يجري إعدادهم سنوياً في فرنسا، لتدريبهم على استخدام الأسلحة الجديدة.

الهاجـس التكنولوجي

        حكومة الرئيس ميتران أطلقت يد المبدعين في المجال التكنولوجي، فشجعت المبادرات وحفّزت على تقديم أي جديد في المجال العلمي، غير أنّ اللوبي المالي استخدم هذه الحوافز في وجهة التصنيع العسكري قبل غيرها من مجالات الصناعة. ولذلك استمرّت الحكومة الجديدة تنفذ سياسة العهد السابق في تصدير الأسلحة مما دفع بعض المراقبين الفرنسيين إلى الاعتقاد بأنّ فرنسا مقبلة على حالة من التبعية المالية لزبائن من الشرق الأوسط وأفريقيا مما قد يهدد، في المستقبل، استقلالية القرار الفرنسي حيال الأزمات الدولية. ويتأكّد هذا الاستنتاج – الاعتقاد من خلال الوتيرة المتصاعدة لحجم المبيعات إلى الشرق الأوسط والوتيرة المتراجعة إلى بلدان أوروبية مجاورة لفرنسا. هؤلاء المراقبون يصلون إلى القول بأنّ التكامل الاقتصادي التي تسعى فرنسا إلى تحقيقه مع بلدان السوق سوف يتأثّر، ولا شك، بهذه السياسة التصديرية نحو بلدان تقع خلف حدود المجموعة الأوروبية.

        فرنسا تلعب في الظاهر دور “المتمرد” على كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، ويأخذ التمرد وجهة رافضة لسياسة الجبّارين في “إضرام الحروب” حسب تعبير بعض الأوساط الفرنسية، ولذلك تمكّنت الخارجية الفرنسية من شق طريق بين ألغام الجبّارين، مستفيدة من النقمة المتزايدة في أوساط بعض بلدان العالم الثالث ضد احتكار السلاح، وبالتالي احتكار قرارات الحرب والسلم، مما يجعل فرنسا طرفاً يمكن اللجوء إليه، للتخلص من الارتهان لطرفٍ واحد، لا سيما إذا تعلّق الأمر بالأنظمة الشابة ذات الطموحات غير المحدودة، وغير الواقعية أحياناً.

        المبرّر الآخر الذي يتذرّع به النظام الفرنسي للمضي في سياسة بيع السلاح هو أنّ الأسلحة الحديثة تقوم على مستوى مرتفع من التقنية، وتتطلّب كفاءات استثنائية مما يجعل الاكتفاء في مجال التسلُّح الذاتي أمراً مكلفاً للغاية. وبما أنّ فرنسا ليست في وارد التخلي عن دورها العسكري، كان لا بد، إذن، من أن تلجأ إلى تطوير صادراتها لكي تموّل جزءاً من حاجاتها العسكرية الذاتية.

        على أساس هذا التحليل قرّرت فرنسا “المضي في اعتبار صناعة السلاح نوعاً من النشاط الضروري باتجاه الخارج”. وزيّنت قرارها بالقول إنّها ليست مجرد بائع لأسلحة الموت والدمار، بل هي تصدّر أجهزة متكاملة للدفاع، مع كل التجهيزات اللازمة، وتدريب العناصر البشرية. بيد أنّ هذا الموضوع قد تحوَّل إلى مادة للصراع الخفي بين الحكومة والمعارضة. وترى بعض الأوساط المطّلعة في فرنسا أنّ الأوضاع الدولية قد تطورت وتغيّرت كثيراً خلال السنوات الأربع الماضية، وأنّ المستجدات في مجال تجارة السلاح، على المستوى العالمي، تهدّد بحدوث انفجارات، بسبب اصطدام هذا الأسلوب بالحائط المسدود، وبسبب عجز النهج التسليحي عن حل المشاكل المتفاقمة. وما يؤكّد هذا الاستنتاج هو حالة التخمة العسكرية التي تعيش في ظلّها بعض بلدان العالم الثالث، والتي تشكّل سبباً في تراكم الديون الخارجية الهائلة. ومن أبرز وسائل التحايل على الديون الشراء عن طريق التبادل، على غرار ما ستفعله فرنسا بالذات مع إسرئيل، بعد أن قرّرت تزويدها بمفاعل نووي جديد، مقابل أطنان من الحمضيات، ضمن خطة عشرية وربما أطول من ذلك، ولا يندرج ضمن نفس السياق بيع السلاح مقابل التزوُّد بالبترول، باعتبار النفط عملة صعبة من الطراز الأول.

أعضاء جدد في نادي السلاح

        الصعوبات التي تهدّد هذا القطاع الصناعي ناجمة أيضاً عن دخول بعض البلدان الفتية نادي الصناعة الحربية، كما هي الحال مع البرازيل والمكسيك فقد أقدمت هذه الدول على تصنيع بعض المواد غير المعقدة، التي لا تحتاج إلى مستوى مرتفع من التقنية المتقدمة، والتي لا تخضع لرقابة مشدّدة خلال عملية البيع، كما لا تخضع لمعايير سياسية تطال دولاً وأطراً، وقد يصل الأمر بهذه الصناعة، في بعض الأحيان، حد التخصص في تزويد السوق السوداء وتجارة التهريب، وبيع الأسلحة المستخدمة لدول أو لتنظيمات مسلّحة فتية.

        غير أنّ مثل هذه المنزلقات التي تقع فيها البلدان الفتية لا تصيب الدول المحترفة. ومن أجل تفادي ذلك قرّرت فرنسا وضع يدها على هذه الصناعة دون أن يأخذ الإجراء معنى التأميم والسيطرة من قِبَل الحكومة على كل التفاصيل، والاكتفاء بالتوجيه العام ووضع لائحة بالممنوعات والمسموحات. وتجري الرقابة من خلال إدارة رسمية على مستوى وزاري.

البائع متخوف أمّا الشاري؟!

        التنازلات التي قدّمتها فرنسا اقتصرت على توقيع عقود مع دول من العالم الثالث ومن دول أوروبا يسمح بموجبها لهذه الدول إنتاج بعض الأسلحة بالتعاون مع خبراء فرنسيين. إنّه الثمن الذي ينبغي دفعه للمحافظة على القدرة التنافسية على المستوى الدولي. غير أنّ هذا الثمن هو، في نظر بعض الفرنسيين شكل من أشكال التبعية والارتباط والانتقاص من استقلال القرار السياسي وارتهانه لشركاء لا يملكون سلطة القرار على الصعيد الدولي. إنّها العلاقات المعقّدة بين البائع والشاري التي لا يظهر فيها مَنْ منهما أكثر حاجة إلى الآخر من شريكه.

        هذا من جانب الفريق البائع. أمّا مستهلكوا الأسلحة من البلدان المحاربة فحساباتهم أكثر تعقيداً وأبعد مدلولاً من الأرقام المالية التي تأكل من جسد الميزانية العامة، من جسد الشعوب التي، رغم حاجتها للخبز، تشتري السلاح.