3 ديسمبر، 2022

المقاومة والدولة

8 أيار 2021

https://www.nidaalwatan.com/article/45579

في ندوة عن المقاومة والدولة أقيمت في حسينية كفررمان بتاريخ 4-3-1993 وبحضور النائب محمد رعد، عرضت هذا التحليل والموقف والعلاج، جاءني الاعتراض يومئذ من “الحزب الشيوعي” ولم يصدر عن “حزب الله” أي تعليق. تبدلت أحوال وتغيرت ظروف وما زال حل المعضلة هو هو: الحل بالدولة.

أولاً: المقاومة والمشروع السياسي

لا شك أن هدف المقاومة المباشر هو تحرير الأرض، لكنه لا يستقيم إذا كان هدفها الوحيد والأخير، بل عليه أن يندرج في سياق مشروع أعم وأشمل، وأن يكون خطوة تكتيكية على طريق استراتيجية، أي على طريق إنجاز مشروع سياسي هو، بحسب مشاريع أطراف المقاومة، ذو أفق اشتراكي أو قومي أو ديني. المشروع السياسي هو الذي يمنح المقاومة التحريرية أفقاً ويوفر لها الأدوات التعبوية والأيديولوجية والوضوح في الرؤية، وهو الذي قد يتحول عنصر ضعف، بل، مأزقاً. قوة التحرير إذاً من قوة المشروع السياسي وضعفه من ضعفه. وهذا ما يفسر انحسار المقاومة المسلحة لدى أصحاب المشاريع الاشتراكية، لا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانسداد الأفق الاشتراكي، ولو موقتاً، ولدى أصحاب المشاريع القومية بعد أن تكرس انهيار حركة التحرر العربي والعالمي في حرب الخليج. وبالمعايير ذاتها يمكن النظر إلى المشروع الإسلامي، لا سيما بعد أن تخلت القوى الإسلامية في المقاومة، على الأقل في خطابها المعلن، عن مشروع إقامة دولة إسلامية، وانخرطت فعلياً في أجهزة الدولة القائمة، الأمر الذي جرد المقاومة من أفق الوضوح الاستراتيجي، وجعلها تكافح من أجل التحرير فتستظل مشروعاً سياسياً متردداً بين عناصر من مشاريع شتى بعضها إسلامي، بعضها قومي، وبعضها ليبرالي.

ثانياً: المقاومة والعمق الخارجي

إن تجارب المقاومة الحديثة منذ بداية القرن تثبت أن نجاح المقاومة متوقف إلى حد بعيد على العمق الخارجي الجغرافي والسياسي (تجربة المقاومة في فيتنام ضد الولايات المتحدة، وفي فرنسا ضد النازية، وفي أفغانستان ضد الشيوعية)، وقد أمكن للمقاومة في لبنان أن تحظى بهذه المزية مستندة إلى عمق عربي وإقليمي (سوريا، إيران)، وعمق دولي ممثلاً بالمعسكر الاشتراكي قبل انهياره. إلا أن عنصر القوة هذا قد يتحول بدوره مأزقاً إذا غدا العمق الخارجي هو المهيمن، وهو الذي يحتل موقع الصدارة والأولوية في صياغة خطة المقاومة، الأمر الذي يضعف رصيدها الداخلي وحصانتها الشعبية وهو ما حصل فعلاً بعد أن أخذ زخم المقاومة وشعبيتها بالتراجع.

ثالثاً: المقاومة والكفاح المسلح

يكون الكفاح المسلح ضرورة عندما يندرج ضمن سياق يرى في المقاومة ثقافة وتراثاً وتاريخاً. فالمقاومة في لبنان لم تنطلق بسبب وفرة السلاح وصنوف الأيديولوجيا، بل هي استمرار لكفاح الشعب اللبناني دفاعاً عن “وحدة لبنان وعروبته وتطوره الديموقراطي” شعار “الحركة الوطنية اللبنانية” وهي ظاهرة ترقى إلى عوامل جنوبية، سياسية وربما دينية أيضاً، علينا أن نتعمق في درسها.

إن حصر أهمية المقاومة بتقنيات السلاح والحرب يغفل أهمية المواجهات المدنية التي قام بها المواطنون العزل من أبناء الجنوب، ويغفل الدور الأساسي الذي لعبه أهالي قرى الجنوب في حماية المقاومين وتأمين الغطاء السياسي لهم دونما تمييز بين مقاوم وآخر. وبهذا المعنى فإن قوة المقاومة تكون في مقدرتها التوحيدية.

تبرز مبررات هذا الكلام واضحة جلية، لا في ظاهرة الانقسام حول هوية المقاومة وأدوات نضالها فحسب، بل، وفي شكل خاص، حول مستوى تمثيلها للشعب اللبناني، إذ ليس من قبيل القوة للمقاومة أن تتحول جناحاً عسكرياً لطائفة أو طوائف، في مواجهة إسرائيل صراحة، وفي مواجهة طوائف أخرى مضمرة خصوصاً أن تاريخ الحرب أفرز مقاومات متعددة لدى كل الطوائف. والحقيقة أن الانقسام الطائفي يشكل أحد أهم المآزق أمام مواجهة الشعب اللبناني للاحتلال الإسرائيلي.

رابعاً: المقاومة والسلطة الرسمية

يشهد لبنان، للمرة الأولى في تاريخ صراعه مع إسرائيل، شكلاً من الاعتراف المتبادل بين المقاومة والسلطة. لكنه اعتراف مبني على محاذير متبادلة أكثر مما هو مستند إلى تكامل وتعاون. إنه نوع من الهدنة يأمل كل طرف أن يستفيد منها لتعزيز مشروعه. وإذا كان التحرير هو الهدف المشترك فإن المشاريع التي يندرج فيها هذا الهدف تثير المخاوف لدى بعض الأطراف، ذلك أن السلطة تخشى من إدراجه في مشروع تحرير فلسطين كلها وبناء الدولة الإسلامية، أو إقامة النظام الاشتراكي، وتخشى المقاومة من إدراجه في النظام العالمي الجديد والمصالحة مع إسرائيل.

ما الحل إذاً إزاء هذا المأزق المتعدد الجوانب؟ إنه في تجديد الفكر السياسي الرسمي والشعبي بحيث تكف السلطة عن النظر إلى قوى المعارضة الشعبية بصفتها العدو الأساسي، وتكف هذه الأخيرة عن محاربة السلطة بصفتها العدو الأساسي، وبحيث لا يعود رسم المستقبل السياسي للبلاد من مسؤولية السلطة ورسم الخطط لقلب نظام الحكم من مسؤولية الأحزاب. بعبارة أخرى، ينبغي أن تستقيم العلاقة بين الطرفين على أساس المساومة الديموقراطية، التي من شأنها وحدها تحصين الوضع الداخلي في مواجهة مخاطر الخارج.

مثل هذا الأمر متوقف، إلى حد بعيد، على اتفاق اللبنانيين، اتفاقاً لا رجعة فيه، على بناء هذا الوطن ودولته وسلطته على أسس حديثة من الديموقراطية والمساواة في المواطنية بمعزل عن البنى الطائفية الوسيطة، وعلى تغيير الخطاب السياسي الرسمي الذي يجنح دوماً إلى تجديد بنى الانقسام بأشكال شتى، ليس أقلها الميل إلى إعادة بناء أجهزة السلطة، ومنها الإدارة من غير الكفاية والنزاهة والاستقامة، وعلى تغيير الخطاب الحزبي الذي يميل دوماً إلى عدم الاعتراف بالأزمة البنيوية التي عصفت بالأحزاب ومشاريعها.

إن تجديد أسس الانقسام هذه سيبقى هو الراجح في ظل العقم الذي يصاب به الحوار السياسي، وفي ظل غياب مشروع وطني وديموقراطي يوحد اللبنانيين ويشرّع لهم اختلافاتهم السياسية والطائفية ويعترف بحق الاختلاف من داخل الوحدة الوطنية.

إن ذلك كله يحتاج إلى حركة سياسية نوعية، حركة من طراز جديد تعوض هذا الفراغ الوطني، وتستند إلى الجوانب المنيرة والإيجابية في تاريخ لبنان وتاريخ حركته السياسية وأحزابه.

نعم إن حل مأزق المقاومة يبدأ من حل مأزق بناء الوطن والدولة والسلطة، على أساس العدل والكفاية وسيادة القانون وحقوق الإنسان.