1 يوليو، 2022

عصارة حب لسليم الحص

                                                                                                                                                                                             بمناسبة صدور كتابه عصارة العمر              

لقد سجل التاريخ محاولات للخروج من المآزق ، من خلال الثورات والانقلابات وحركات العصيان

كان هذا شأن الثورة الفرنسية والثورة البلشفية في روسيا وثورة جمال عبد الناصر في مصر ومسلسل الانقلابات العسكرية في سوريا والعراق ، وثورة الخميني في إيران ، وحركة التمرد والتحرر التي قادها المهاتما غاندي…

… ولما كانت أنظمة الحكم المطبقة في جميع الدول العربية غير ديمقراطية … فإننا نرى أن اختراق هذا الواقع … لا يكون إلا بالنضال الشعبي … باللقاءات والبيانات وإطلاق المواقف ، والمسيرات والاضرابات والاعتصامات وسائر أشكال التحرك الشارعي ، وتنتهي في حال الاستعصاء بالعصيان المدني والامتناع عن دفع الضرائب …

قد ينطبع في أذهانكم أن هذا الكلام يسوقه ماركسي يساري  للتجديف على تاريخ رئيس للوزراء اللبناني ، أو لحشر أحد ممثلي البرجوازية  ( باللغة الماركسية ) في مواقف تتنافى مع مناسبة التكريم. فلو كنت أنا قائله لأضفت إلى اللائحة إسم كمال جنبلاط والحركة الوطنية اللبنانية  وماوتسيتونغ وكاسترو وغيفارا  وسواهم كثر ، ولحذفت الانقلابات العسكرية في سوريا والعراق .

 والحقيقة أن هذا الكلام هو للدكتور سليم الحص ذاته ، اقتطعته من كتابه  ” عصارة العمر ” ولم أحرّف فيه شيئا ، اللهم إني أغفلت كلمة واحدة منه ، فهو ينادي بالنضال الشعبي السلمي ، وأنا حذفت السلمي ، لأفتح  أو لأربط النزاع بين الثائر الصادق سليم الحص والثوار من أهل اليسار الذي أدعي الانتماء  إليه .

في أحد اللقاءات التأسيسية لندوة العمل الوطني ، التي شرفني الدكتور الحص بدعوتي لحضورها،  انبرى أحد الحاضرين في آخر الجلسة قائلا : هؤلاء المجتمعون ، يا دولة الرئيس ،  هم أفضل لجنة مركزية لحزب التغيير اللبناني بقيادة سليم الحص .

بإمكانكم ، ولو لم تكونوا بين الحاضرين ، أن تتوقعوا جواب الرئيس ،  فهو لا يريد أن يتحول إلى أمين عام ، وهو يفضل أن يظل رئيسا ، وقد ظل ، في الحقيقة ، في الحكم وخارج الحكم ، سيد الرؤساء . وربما لأنه رفض أن يؤسس حزبا ، وليس لأي سبب آخر ، لم أجد نفسي مشجعا على متابعة  اجتماعات الندوة .

رئيس واحد قبله سبقه إلى هذا الاختيار ، إنه فؤاد شهاب  . كلاهما رأى عن كثب مثالب النظام اللبناني ، وكلاهما اختار العزوف عن المواجهة ، أعني العزوف عن الأمانة العامة ، أعني العزوف عن تأطير الناس في حزب للتغيير يكون هو رئيسه . فؤاد شهاب جرب سلاح  المخابرات  ففشلت وأفشلته ، أما سليم الحص فيجرب سلاح الموقف .

كلاهما رأى في الطائفية معيقا كبيرا لتحقيق آمال اللبنانيين في بناء دولة القانون والمؤسسات ، فلا تستغربوا أن يسارع الطائفيون من الميليشيات وما تحدر منها ، إلى إلغاء مؤسسات دولة القانون ، وأن تسعى حيتان المال إلى بيع ما عمره فؤاد شهاب ، ومنه شركة كهرباء لبنان التي نشرت النور في أيامه ، على الأراضي اللبنانية ، ولا نذكر الحالات النادرة التي كان التيار الكهربائي ينقطع فيها ، وهم اليوم ينشرون العتمة ، ونكاد لا نذكر برامج التقنين لكثرة ما يعدلون فيها ، إلا من حظي بنعمة السكن في جوار زعيم أو متنفذ .

وكلاهما رأى في الفساد علة  تستشري حين يتحكم منطق من يتاجر  بالمال العام والمصلحة العامة  و بالقضايا الكبرى . وقديما قيل  : الفاجر يأكل مال التاجر ، وكم من تاجر ومن فاجر في بلادنا ، يرسمون الفساد بأبهى صوره  وينشرونه بين الرعية ، ويجعلون أنفسهم وزوجاتهم وأقرباءهم  مثالا أعلى للمواطن العادي الذي  يردد : إذا كان رب البيت بالطبل ضاربا …

حين نقلب الصفحات في كتاب  ” عصارة العمر ” ، للدكتور سليم الحص ، نقرأ مرارة  هي أضعاف مرارة المواطنين ، إنها مرارة العارف . هذا عامل يخلق فينا  ، نحن أهل اليسار ،  رغبة في الانتماء إليه وإلى قيمه الأخلاقية والسياسية النبيلة  ، في الالتحاق بنهجه الساعي إلى تغليف السياسة برداء الأخلاق ، لكن السياسة تقبل أي رداء ، بما في ذلك الرداء الأخلاقي ، لكنها لا تقبل المسالمة الأخلاقية التي يتمسك بها سليم الحص .

حتى غاندي ، من بين الذين سماهم في قيادة عمليات التغيير في العالم ، المفرط في مسالمته ، أي في نبذه العنف ، لم يتردد في تنظيم نضالات اهل الهند ضد الاستعمار ، وقاتل معهم المستعمرين بالملح ، لا بالرصاص .

ولأنها مرارة العارف ، نشعر أننا ننتمي إليه مفكرا ومثقفا . ففي مناسبة ثقافية نظمها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي ، وكان الرئيس الحص راعيها ، وكان لي شرف تقديمه للحاضرين ، قلت له : اخترناك يا دولة الرئيس لترعى الاحتفال لا لأنك رئيس للوزراء ، ولا لأننا نرغب في حشر السياسيين في مناسبات ثقافية ، ولا في مساعدتهم على التسلط على الثقافة مثلما يتسلطون على كل شيء ، فلا نحن من الذين يتملقون للزعماء ولا أنت ممن تحترم المتزلفين وتقبلهم بين مؤيديك. اخترناك لأنك قادم إلى السياسة من رحم الثقافة والمثقفين ، أي لأنك من أهل العلم والثقافة والمعرفة.

والذين سماهم في قيادة الثورات والانتفاضات في التاريخ كانوا مثله من العارفين ، كانوا من أهل المعرفة ، لكنهم اختاروا ، بفعل معرفتهم ، سبيلا غير السبيل الذي اختاره ، فكان ما فعلوه ينتمي إلى حقل العنف ، حتى نهج غاندي كان ، في نظر خصومه نوعا من العنف ولم يرحموه . لهذا بالضبط أغفلت عن عمد كلمة السلمي من عبارته ” النضال الشعبي السلمي ”  ذلك لأن سياسة المتسلطين على رقاب الشعوب لاتحتكم إلى معاييره الأخلاقية النبيلة ، فالاعتراض عندهم عنف حتى لو كان اعتراضا سلميا ، وقمع التظاهرات دليلنا اليومي  ، وهم بمعاييرهم لايوافقون الدكتور الحص إن قال إن الطائفية عنف والفساد عنف والمحاصصة عنف والاستزلام عنف والتخلف عنف وانتهاك حقوق  الإنسان عنف وتأبيد الحكام في عالمنا العربي عنف الخ ، الخ .  فحتى هذا النضال السلمي الذي تطالب به يا دولة الرئيس لن يكون مقبولا في مجتمعات يسودها ما أسميته شريعة الغاب ، أولست أنت القائل في عصارة العمر : ” إن من يقحمه القدر في معترك السياسة في لبنان لا يلبث أن يحسد الغاب على شريعته.   حتى الغاب له شريعة . في هذه الشريعة لا تجد مخلوقا  يفترس مخلوقا من أبناء جلدته ، فلا السبع يفترس سبعا ، ولا النمر يفتك بنمر، ولا الذئب يلتهم ذئبا . أما  في  غاب  السياسة  في لبنان  فالكل  يفترس الكل .”

يقترح الدكتور الحص أن يضم المجلس النيابي  ممثلين من الطوائف لا ممثلين عن الطوائف . حرف واحد وتتغير المعادلة ، من بدل عن ، وليس هذا تغييرا شكليا ولا هو  تعديل لغوي .إنه الحل العميق الغور البعيد النظر… لكن الحروب تنشب على كلمة ، على حرف ، ألم تشتعل صراعات على الاختلاف بين النص الإنكليزي و الترجمة العربية  لقرار الأمم المتحدة  : الأراضي العربية أم أراض عربية ؟ وصراعات أبدية على إلغاء الطائفية من النفوس أم من النصوص؟

من الطوائف لا عن الطوائف ، حل بليغ من غير شك ، يفصله الدكتور الحص ، ويعني به احترام الطوائف ككيانات اجتماعية ، ومنعها من تأسيس كيانات سياسية . ذلك أن المكاسب التي يحصل عليها ممثلو الطوائف لا يعود إلى الطوائف منها شيء ، فماذا يعني للشيعة أو للموارنة أو السنة  أن يكون منهم مدير عام ، ومن يستفيد من أهل الطائفة من وظيفته ، خاصة إذا كان من أصحاب السجلات الحافلة بالفساد ، والأمثلة كثيرة . وماذا تجني الطوائف  من توزيع الرئاسات والوزارات والإدارات ؟ الذين يجنون المكاسب باسم الطوائف هم شبيحة الطوائف سارقو المال العام  مدنسو القيم ، يستخدمون طوائفهم متاريس لحماية امتيازاتهم في المقاولات والإدارات والصفقات والسمسرات ، أما شرفاء الطوائف فيحتكمون إلى القانون ، وبالتالي فهم يمثلون القانون والمصلحة العامة ، لكنهم حين يأتي موعد الانتخابات يعاقبون .

قال لي موظف  في وزارة التربية ، أن المنح التي يستفيد منها المتفوقون في لبنان تقدم لهم بقرار من الوزير ، وتعد اللوائح على أساس العلامات التي نالها  الطلاب في الامتحانات الرسمية  ، وحين كانت تقدم اللوائح للوزير كان يستنسب ويعدل في أولوياتها على معاييره الانتخابية والسياسية . وحده سليم الحص ، من بين وزراء التربية المتعاقبين على الوزارة ، ، نهرني ، قال الموظف ، حين جهزت اللائحة و قدمتها إليه   ليجري عليها التعديلات التي تهمه ، وطلب مني أن أحترم الكفاءة  وأن أثبت الأولويات كما وردت حسب علامات الطلاب . لكن دولة الكفاءة وتكافؤ الفرص لا يصنعها وزير بمفرده ، ولا رئيس بمفرده . لا يصنعها إلا نظام كان فيه سليم الحص غريبا كصالح في ثمود.

عصارة العمر كتاب في ثلاثة فصول ، الأول عن لبنان ، الثاني عن العالم العربي ، الثالث عن الاقتصاد .

العروبة في نظر الدكتور الحص ثالوث لا مستقبل للأمة من دونها .  عروبة وديمقراطية ومقاومة . فلا عروبة في نظره من غير الديمقراطية ، ولا ديمقراطية من غير المقاومة . والعرب اليوم يعيشون مفارقة ، كأنها معادلة لتأبيد التخلف السياسي في العالم العربي على ما يقول دولته .  فهم رغم التقدم الذي حققوه ما زالوا متخلفين عن قيم العصر ومنجزاته التاريخية ، وما زالوا يجافون ” قيم حقوق الانسان  ، بما فيها الحرية والعدالة والمساواة ، وإطلاق طاقات المرأة وترجمة الحريات العامة ممارسة ديمقراطية فاعلة …وفي العالم العربي ممالك وإمارات وجمهوريات ، ولكنها جميعا ، باستثناء لبنان ، ملكيات مطلقة …”  ” ولو كانت الديمقراطية سائدة في سائر الأقطار العربية لما بقي نظام في مكانه بعد الحرب المفتعلة على العراق “

وإذا كانت ” الطريق إلى الديمقراطية تمر بالضرورة في المقاومة  ” ، كما يقول د. الحص ، أفلا يجوز لنا أن نستكمل هذه المقولة الصحيحة ، بعكسها ، فنقول أيضا ، إن طريق المقاومة والمواجهة تمر بالضرورة في الديمقراطية ؟

نعم ، نحن مطالبون في هذه الأمة بأن نعيد النظر بصيغ المواجهة وبصيغ المقاومة ، فلا صيغة العرب الأفغان ولا طالبان العراق ولا تحرير لفلسطين من الشيشان ، ولا التحرير تحرير إذا كان سيوصلنا إلى دولة العمائم . ولا تكون المقاومة مقاومة إن هي حاولت شد التاريخ إلى الوراء ، أو أعادت النساء إلى سجون الجهل ، أو حطمت رموز التاريخ  ودمرت المتاحف  ، ولا المقاومة مقاومة إذا جرى تخريب الجامعة اللبنانية باسم التحرير والتنمية  ، ولا هي مقاومة إن هددت الوحدة الوطنية باسم القضايا القومية الكبرى .

… دولة الرئيس

أنت معلم من معالم تاريخنا الثقافي والسياسي ، ونقطة مضيئة في ظلام الطبقات الحاكمة .

ما أحوجنا إلى ثقافتك وسيرتك السياسية و أخلاقك ومسالمتك  حتى نلطف  تهورنا الثوري ، وهو ضروري للتغيير ،  ونعلمه  بعضا من حكمتك

علمتنا كثيرا في عصارة العمر ، أطال الله عمرك