23 يونيو، 2026

حزب الله ومشروعه المستحيل

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=923054

بعد حرب “النصر الإلهي”، عام 2006 نشرنا هذا النص في كتاب عن الشيعية السياسية، نستعيده، بمناسبة نشر كتابنا الجديد، نهاية حزب الله وسائر الأصوليات، لنؤكد أن المنهج هو الأساس في صحة الاستنتاجات من عدمها:
مع انهيار الاتحاد السوفياتي، انتهى، أو أرجئ إلى أجل غير مسمى، عصر الثورات والانقلابات الثورية، وكذلك عصر الانقلابات الرجعية. فالثورتان الفرنسية والاشتراكية وحدهما هما الثورة، أما سواهما فليس إلا مجرد انقلابات كانت تقودها الجيوش أو الانتفاضات الشعبية. كانت أشباه الثورات تأخذ من الاشتراكية أسوأ ما فيها، أي الاستبداد المخابراتي وحكم الحزب الواحد، ومن الرأسمالية أسوأ ما فيها، أي البيروقراطية والفساد والاستغلال المتوحش. ثوراتنا العربية التي حكمت عقولنا قرناً أو ما يقربه، هي مسخرة الثورات. بل تشويه للمعاني الثورية في كل ثورة. ثم جاءت الثورة الإيرانية لتضيف إلى انقلابات الحركة القومية العربية انقلاباً جديداً (الخمينية في إيران تشبه إلى حد كبير الناصرية في العالم العربي). وما أحداث القرن الماضي في شرقنا العربي سوى انقلابات أو تنويعات على الانقلابات العسكرية، سيان إن قام بها أصحاب القبعات العسكرية واللحى اليسارية الثورية أو أصحاب العمائم والقلنسوات واللحى الدينية التراثية.
يبدو هذا، في نظر البعض، تفاصيل من خارج الموضوع. لكنه، في نظرنا، يمثل جوهر المشكلة. الثورة، بما هي تغيير جذري (مزعوم أو حقيقي) كانت تفتح أفقا على المستقبل أو تزعم ذلك، وتخترق الحدود التي ليست حدوداً زمانية فحسب، بل حدود مكانية بالدرجة الأولى، فالثورة الفرنسية، أي الرأسمالية، انطلقت من أوروبا لتعم العالم، وأطلقت حضارة لا يمكن لها أن تسود إلا إذا عمت العالم (ماركس). والثورة الاشتراكية كان لديها الطموح ذاته. أما أشباه الثورات فقد اندلعت داخل آفاق مغلقة، ولم تكن تملك من المقومات ما يمكنها من اختراق حدود زمانها ومكانها. إنها مجرد محاولات ارتدادية لاستعادة مجد ضائع وحق سليب، بل هي تكرار مضحك لتجارب السلف، الصالح أو الشرير، سلف الدولة السلطانية أو الإمارات أو الممالك أو الأمبراطوريات، أو إن انحدرت، فهي دولة القبيلة أو دويلات العائلات والبطون والأفخاذ.
الصراع على لبنان هو، في جزء منه، صراع ضد من يحاول اختراق حدود الزمان والمكان، أي ضد الثورة الرأسمالية، ضد أعلى مراحلها، أي الإمبريالية بحسب التعبير اللينيني، وضد ربيبتها إسرائيل، وضد أشباه الثورات؛ أما الذين يواجهون الامبريالية فهم يواجهونها بآفاق محدودة بل مقفلة، وهم يحاولون فتحها بالوهم. بالوهم لأنهم إن فتحوا تلك الآفاق فسيجدون أنهم قاتلوا الامبريالية ليقعوا بالذات في حضنها، أو ليدوروا في فلكها، أو ليكونوا في أحسن الأحوال جزءاً من منظومتها. إذن إن صراعهم معها هو صراع على السلطة والنفوذ، وليس صراعاً من أجل تغيير العالم نحو الأفضل.
حزب الله اللبناني طرف يزعم أنه يقود “ثورة ” أو أنه امتداد لثورة. لكنه أخذ من الثورة طموحها وأحلامها، وأخذ منها مأزقها أيضاً. ومأزقها متعدد الوجوه. أولا هي ليست ثورة بل مجرد انقلاب قام به المعممون، ولم يطرحوا برنامجا للتغيير إلا على مستوى السلطة. اقتصادهم توليفة من الرأسمالية والاشتراكية، وسياستهم، مهما تطرفت واستعانت بعلم الغيب، محكومة بالقوانين الوضعية وبموازين القوى الأرضية والعلوم السببية؛ ثانيا هي محدودة في جزء من الجغرافيا الشيعية، إذن هي ليست ثورة إلا في وهم أصحابها، وبالتالي فهي من غير أفق. وهي حتى لو قيض لها أن تنجح عسكرياً داخل حلبات صراعها فلن يكون أمامها إلا أن تدير شؤون الأرض التي تسيطر عليها، من ضمن الخيمة العالمية وليس خارجها، أي خيمة القوانين الدولية وموازين القوى المحلية والاقليمية والدولية.
مؤتمر مدريد سعى، بموازين القوى الجديدة التي كرسها، أن يجعل الصراع مع إسرائيل صراع حدود فحسب لا صراع وجود. قبل مؤتمر مدريد، كانت إسرائيل مشروعاً صهيونياً تستفيد منه الدول الرأسمالية. بعد مدريد صارت إسرائيل مشروعاً غربياً يمكن للصهيونية أن تستفيد منه. هذا هو التفسير الواقعي والعملي لمشروع الشرق الأوسط الجديد بعد أن باتت كل قوى المنطقة منضوية تحت خيمة أميركا.
غير أن الفريق المتشدد في إسرائيل أصر على مشروعه الأصلي (الأصولي)، أي الصهيوني، ولم يرض بأن تصير إسرائيل دولة كسائر دول المنطقة تابعة للمشروع الإمبريالي، وتمسك بمقولة شعب الله المختار ودولته المختارة؛ كما أن فريقا من المتشددين العرب، ثم الإيرانيين مؤخراً، رفضوا العرض الأميركي، الذي من دونه لم يكن ممكناً لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تدخل إلى الأرض المحتلة وتقيم عليها حكما ذاتياً وإن بشروط إسرائيلية أميركية.
المتشددون على طرفي الحدود حاولوا، لكي يواجهوا المشروع الأميركي، أن يغيروا شروطه. حاولوا إلغاء الاتفاق بإلغاء الموقعين. إسرائيليون قتلوا إسحق رابين، أما حافظ الأسد فقد رأى أن المقاومة بغير السوريين أفضل من كل التسويات المطروحة عليه، بحسب تعبيره، فيما حوصر ياسر عرفات بهدف تحجيمه شعبياً وسياسياً، وقيل إن حصاره من قبل إسرائيل كان يبغي اغتياله، أما حصاره عربيا فلتجريده من صفته التمثيلية.
منذ مدريد تغير مضمون الصراع العربي الإسرائيلي، فلم يعد أفق الانتصار الإسرائيلي (إن حصل) مفتوحاً على احتمالات التوسع الجغرافي، ولا الانتصار العربي أو الإيراني (إن حصل) مآله إزالة إسرائيل (حتى لو كانت تصريحات المسؤولين الإيرانيين تخالف ذلك). ضاقت إذن مساحة المناورة، وانحصرت الأهداف السياسية من أية معركة عسكرية ضمن حدود تحسين شروط المفاوضات.

About The Author