29 يونيو، 2026

هل سنعود إلى حولا؟

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=923917

يعزّ علينا غداً أن تعود رفوف الطيورِ… ونحن هنا. قالها هارون هاشم رشيد في قصيدته التي غنتها فيروز، سنرجع يوماً إلى حينا ونغرق في دافئات المنى. شاعر يحيل اسمه إلى من امتدت مملكته بعيداً شرق الفرات وبعيداً غرب النيل، لكن عودته إلى بلده فلسطين ظلت مستحيلة حتى مماته عام 1920 عن ثلاثة وتسعين عاماً، قبل أن يشهد نكبة الجنوب اللبناني، وقبل أن يقرأ “مراثي البيوت” التي سيتولى جمعها ونشرها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي.
تذكرت القصيدة والشاعر والأغنية عندما سألني صديق عزيز هل سنعود إلى حولا؟ الأحياء منهم عادوا إليها بعد نكبة 1948 وقبل أن ينشد الشاعر الفلسطيني أبياته الأولى، فهل يعود إليها الأحياء من أهلها بعد نكبتها الثانية؟
لم يُنكَب الفلسطينيون بالإجرام الصهيوني وحده، بل بمن تولوا أمر عودتهم أيضاً. مع هؤلاء صارت العودة ذكرى وحنيناً ومفاتيح بيوت مصادرة، وصارت تجارة رابحة لدى حكام تهمهم السلطة لا القضية. باعوا واشتروا وساوموا وأرجأوا بحثاً عن تسويات تحفظ لهم عروشهم. وعندما حاول “يوسف” فتح الباب الفلسطيني من رام الله رماه الأبعدون في الأسر والأقربون بانفصال غزة عن رام الله ثم بالطوفان، مثلما كانت العواصم ترمي محمود درويش بالحقيبة.
العرب أشاعوا أنهم خسروا فلسطين بسبب نقص في السلاح. بل هو نقص خبرة ونقص حكمة وسوء إدارة. ما كانوا يحتاجونه هو دخولهم في حضارة العصر، لكنهم أحجموا. وقف الجهل والاستبدادان السياسي والديني حائلاً. مر قرن من الزمن وها هو الجنوب اللبناني يدير نكبته بعقل القرن الماضي.
نكتفي بإزالة إسرائيل من اللغة “ما يسمى دولة إسرائيل”، ولا نوقع أي اتفاق معها خشية شبهة الاعتراف بوجودها، حتى لو كان اتفاقاً على انسحابها بعد احتلال. ونفضل استحضار مفردات من حضارة السلف، ومن الحروب الغابرة، الميدان بدل ساحة المعركة، والسّجّيل والطير الأبابيل، أو الغزو من لغة البداوة بدل الاجتياح، ليستقيم منطق العقل الغيبي ويغيب العلم. بمثل هذه الإدارة لن نعود إلى أرضنا المحتلة ولن نتمكن من إعمار قرانا وبيوتنا المدمرة.
مقدمة أولى، من شروط النجاح تسمية الأشياء بأسمائها. هي  حرب ولكل فريق روايته وعدته العسكرية والسياسية والإعلامية. طمس الحقائق يعود على أصحابه بالويل. المياه تكذب الغطاسين ولو طال الزمن.
مقدمة ثانية، الاعتراف بالهزيمة أول الطريق للشفاء من مرض المكابرة. بالمواجهة خسرنا مزيداً من الأنفس والأراضي وفرض علينا التراجع من حدود الهدنة مع “فلسطين المحتلة” حتى ما بين النهرين، وأثبتت موازين القوى أن نظرية نقل مجرى الليطاني إلى الحدود كانت تهرباً من رؤية الحقيقة وأقرب إلى التهريج والهذيان والألعاب اللغوية.
النتيجة المنطقية، أمام فشل كل بكائياتنا على ماض مضى، وجواباً على أسئلة النهضة، ولا سيما السؤال، لماذا تقدموا وتخلفنا، بات واضحاً كالشمس، أن الدولة هي الحل، وأن الميليشيات، على تعدد التسميات، هي عدو الدولة ومبددة كل الحلول. الدولة شعب والميليشيات طوائف. الدولة وطن والميليشيات تمثل طفّار العصر الحديث.
باختصار، الدولة وحدها تفاوض باسمنا نحن اللبنانيين ونعلق آمالنا عليها لتعيد لنا أرضنا وبيوتنا ونعيش بسلام ما تبقى من أعمارنا، أما أنصار العقل الميليشيوي فعليهم أن ينتظروا من يعوض عليهم الخسائر في الأرواح والأرزاق خارج الحياة الدنيا. عليهم ألا ينتظروا عودتهم مع رفوف الطيور. 

About The Author