1 سبتمبر، 2026

ذاكرة العرب الحزينة

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=933072


في الحادي عشر من سبتمبر عام 2000 كنت مسافراً من بيروت إلى برشلونة عن طريق جنيف لإلقاء محاضرة عن الوضع اللبناني في الجامعة الصيفية التي تقام في مايوركا، إحدى جزر البليار الإسبانية. على متن الطائرة أخبرتني جارتي على المقعد، باللغة الإسبانية، وبلهجة مليئة بالاعتزاز، أن ذاك التاريخ يصادف العيد الوطني في كتالونيا. فهمت المعنى العام من كلامها، لما بين الفرنسية والإسبانية من مصطلحات مشتركة. في اليوم التالي سألت، فإذا بالعيد ذكرى سقوط مدينة برشلونة عام 1714 في حرب الخلافة الإسبانية على يد قوات الملك، ونهاية مرحلة المؤسسات والقوانين الذاتية في مقاطعة كتالونيا.
قلت في سري، لعل ما سمعته عن العيد الوطني في برشلونة ربما يكون من بقايا إرث عربي إسلامي تناقلته الأجيال، مع أن التأثير العربي في برشلونة الواقعة في أقصى الشمال الشرقي لم يكن كمثله في غرناطة الواقعة في الجنوب الغربي. العالم العربي كله يحتفل سنوياً في ذكرى النكبة وبعضه في ذكرى النكسة، والنظام السوري المهزوم بذكرى حرب تشرين، والشيعة بموقعة كربلاء، وحركة أمل بتغييب الإمام موسى الصدر في ليبيا.
يجمع العارفون، بناء على معلومات منشورة في الصحف ومنقولة عن لسان مسؤولين في كل من ليبيا ودمشق وطهران، أن الصدر قتل في اليوم التالي لوصوله إلى طرابلس الغرب، فضلاً عن أنه من مواليد عام 1928، ويحتاج اليوم إلى عامين ليبلغ عمره قرناً كاملاً. مع ذلك هناك إصرار على تسمية المناسبة غياباً بل تغييباً، وليس مقتلاً أو استشهاداً، وذلك لغاية في نفس يعقوب، وكم من يعقوب يحسب أن التغييب أكثر من الغياب إثارة للغرائز، وأكثر احتراماً لتقاليد البكاء حزناً والنحيب تأسياً على خسارة قائد أو إمام أو مدينة أو سيادة وطنية، بل هي مجزية بسخاء “لليعقوبيين” من تجار الطائفية.
لا شك في أن موسى الصدر من الشخصيات التي تركت أثراً في تاريخ لبنان الحديث. أبرز معالم هذا الأثر تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى واعتداله ودفاعه عن “التعايش” الإسلامي المسيحي. غير أن الوجه الإيجابي لهذه المعالم سرعان ما توارى خلف صورة غير محببة للمجالس الملية التي تتنازع سيادة الدولة من خلال مؤسسات موازية، ولا سيما على الصعيدين المالي والقضائي. ذلك يعني أن الضمانة هي القانون وليس الشخص مهما تعددت مآثره ومزاياه وكفاءاته.
بعد غياب موسى الصدر باتت معروفة عمليات الاستيراد المعفية من الضرائب التي تتم باسم المجلس الإسلامي الشيعي، وكذلك تشريع ظاهرة البطالة لمئات رجال الدين العاطلين عن العمل، الذين يتقاضون رواتب من مؤسسة المجلس بعيداً عن إشراف مؤسسات الرقابة الحكومية، مع أن المجلس وموظفيه الإداريين والمفتين يخضعون نظرياً وقانونياً لرئاسة مجلس الوزراء ويتقاضون رواتبهم من خزينة الدولة اللبنانية.
أما مؤسسات القضاء الديني، أي المحاكم الروحية والشرعية والمذهبية فليس الفساد أخطر ما فيها. بل استخدامها حصناً حصيناً لتنظيم صراع مذهبي بلغ ذروته في عهد الثنائي وخصوصاً بعد اغتيال رفيق الحريري، بين الشيعة والسنة، أو صراع طائفي في كل الأوقات بين المسيحيين والمسلمين على العلمنة وإلغاء الطائفية السياسية وقوانين الأحوال الشخصية.
للحقيقة والتاريخ، إن الأديان قد تحتاج إلى مؤسسات لإدارة الشأن الروحي للرعية. أما الشؤون المدنية، ولاسيما المالية والقضائية، فهي من اختصاص الدولة. المشكلة ليست في الدين بل في رجال الدين وتجار السياسة. رحم الله الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية الذي قال في المعممين شعراً:
ولكن ديناً كنت أرجو صلاحه…….. أحاذر أن تقضي عليه العمائم

About The Author