6 يوليو، 2022

في نقد “تحالف وطني”

25 تشرين الثاني 2020

https://www.nidaalwatan.com/article/34534

وجّهت مجموعة “معاً لإنقاذ الوطن” دعوة إلى عدد من الأطر الناشطة في إطار الثورة، تطلب فيها العمل على توحيد الجهود. وفي السياق ذاته، صدرت عن مجموعات الثورة في الأيام الأخيرة ثلاث وثائق تتضمّن مصطلحاً مشتركاً وتحمل عناوين، شرعة الإنقاذ الوطني، خريطة طريق للإنقاذ الوطني، الوثيقة الإنقاذية الوطنية. أثارت العناوين سجالاً حامياً على مواقع التواصل، ولا سيما في ما يخص مبادرة نقابتي المحامين، فيما لم تظهر الحماوة ذاتها في نقاش الموضوع الأول.

في هذه الأثناء، صدرت عن “تحالف وطني” بيانات يتعلّق أحدها بالتحقيق الجنائي ورد فيه بالنصّ الحرفي: “تهرّب حاكم مصرف لبنان، بتغطية من المنظومة الحاكمة الفاسدة، من التحقيق المالي الجنائي، بحجج واهية، هي إدانة موصوفة لسرقاتهم قبل مثولهم أمام قوس العدالة. محكمة الشعب آتية مهما طال الزمن. تحسّسوا رقابكم يا مجرمين”.

ما أقوله ليس نقداً، بل نقداً ذاتياً ينطلق من تحليل النصّ، وربّما كان ذلك من بقايا تقاليد أكاديمية، وأظنّها مفيدة في تقويم عمل الثورة، لأنّها لا تكتفي بما هو مكتوب، بل تقرأ المسكوت عنه أيضاً. هل يخدم هذا البيان الدعوة إلى توحيد الصفوف؟ وهل ينسجم مع البرنامج الذي أعلنته الثورة في يومها الأول، أو مع الوثائق الثلاث الصادرة أخيراً؟

خطأ البيان الأول أنه استند إلى معلومة مغلوطة، لأن المسألة لم تحسم بعد، وهي لا تزال تشكّل مادة نقاش معمّق بين المختصّين من أهل القانون. فضلاً عن ذلك، قرأنا في وسائل الإعلام أنّ الحاكم أعلن استعداده لتقديم كلّ ما يتعلق بحسابات البنك المركزي، أمّا حسابات الدولة، وهي من زبائنه، فينطبق عليها قانون السرية المصرفية، وأنّ على الدولة أن تقوم هي بتقديم حساباتها بنفسها من خلال وزارة المالية، أو يقوم هو بتقديمها بناء على تكليف رسمي من الحكومة، وعلمنا من وسائل الإعلام أيضاً أنّ الحكومة هي التي أحجمت عن هذا وعن ذاك.

الخطأ الثاني يتعلّق بخروج البيان على مبادئ الثورة لأنّه يحلّ محلّ القضاء. حاكم المصرف المركزي مسؤول عن السياسة النقدية، وعالم المال هو ساحته ولا ينافسه فيه أحد. ملعب الثورة هو حقل السياسة، بما في ذلك السياسة المالية والسياسة الإقتصادية والسياسة النقدية. وهي ليست ثورة إلا لأنها صوّبت على الجانب السياسي، وطالبت بإعادة تشكيل السلطة وبانتخابات مبكرة وبقانون انتخابي جديد.

حتّى في الجانب المتعلّق بالأزمة المالية والإقتصادية فهي اتهمت لصوص المال من أهل الفساد السياسي، ودعت إلى محاكمتهم أمام القضاء، وأهل الفساد السياسي هم وحدهم أصحاب المصلحة في تضييع البوصلة لحرف الأنظار وتغيير خطّ التسديد.

الخطأ الثالث هو أنّ البيان بدّد أهم إنجازات الثورة. فبعدما ضاق الخناق على من أوصلوا البلاد إلى حافة الإنهيار، جاء البيان ليجهّل الفاعل ويزيح خطّ التسديد عن التحالف الميليشيوي المافيوي الذي ضبطته ضغوط الثورة وأحداث العام وانفجار المرفأ متلبّساً بالجريمة.

أمّا “تحسّسوا رقابكم يا مجرمين”، فنحسب أنّها من زلّات اللسان المستعارة من لغة أجهزة الممانعة والصحافة الصفراء، وهي سقطة عابرة ما لبث التحالف أن نهض منها ببيانات أخرى، أعادته إلى موقعه الطبيعي رائداً من روّاد الثورة.