6 يوليو، 2022

الوطن في خطر… والثورة أيضاً

31 كانون الأول 2020

الوطن في خطر… والثورة أيضاً – محمد علي مقلد | نداء الوطن (nidaalwatan.com)

تنفخ في كفك في الشتاء لتخفف من حدة البرد وتنفخ أيضاً على طعامك لئلا تلسعك سخونته. فكيف يكون زفير الأنفاس مرة للتبريد ومرة للتسخين؟ من يعمل في حقل السياسة، في الحكم أو في المعارضة أو خصوصاً في الثورة، ولا يفهم هذه المعادلة البسيطة والدقيقة، لن يتقن فن التكتيك، كالمتنبي في نظر الشاعر محمد العبدالله.

لو أنها لعبة لغوية لصارت أكثر صعوبة. فزفير الإنسان إخراج النفس من الرئتين وزفير الحمار نهيقه وزفير النار صوت لهيبها وزفير الأرض ظهور نباتها وغير ذلك من المشتقات من أسماء وأفعال، ومنها الزفرة المصحوبة بالآهات والأنين كما في عبارة ماركس “الدين زفرة الإنسان المسحوق وروح عالم لا قلب له”، تلك العبارة ذاتها مع تأويلاتها تم توظيفها في مديح الدين كما في هجائه، ولهذا قصة أخرى.

لم تتوافر في السياسة معاجم تتجمع فيها احتمالات المعاني ودلالات المواقف. وفي السياسة تفلت المصطلحات من أفواه الناطقين بها، وكلٌّ يشحنها بما يريد من مآرب. الثورة اللبنانية بدأت بانتفاضة استهدفت مماحكة الحكومة وقراراتها، بدأت بموتوسيكلات شاردة من ضاحية بيروت ومن ضواحي ساحتي الشهداء ورياض الصلح، بعد أيام معدودة أفلتت الانتفاضة من أيدي أصحابها وتحولت على أيدي شباب لبنان وشاباته إلى ثورة وباتت هي ذاتها هدفاً للموتوسيكلات الشاردة.

السياسة عالم مجنون. معالجة أمر ما إن صحّت اليوم قد تصير مضرة غداً، وحليفك في قضية قد يصير خصمك في أخرى. كلفة الانهيار اللبناني وكلفة معالجته بعد عام على الثورة أضعاف ما كانت عليه كلفة استدراكه وتفاديه. الزمن كفيل بحل مشكلات وتوترات بين أشخاص، أما في السياسة فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، والتكيف مع المتغيرات ضرورة في التكتيك ورسم خوارط الطريق، أما في المبادئ فالثبات هو الأصل. ومن أسف أن في الثورة من وقع في حفرة الخلط بين الثابت والمتغير وبين التكتيك والستراتيجيا.

شعار “كلّن يعني كلّن”(كلهم) أصاب من أهل الفساد مقتلاً في بداية الثورة حين وضعهم جميعاً في قفص الاتهام. لكنه، بعد أن فعل فعله وآتي أكله و”بلغ حدوده التاريخية” صار وبالاً على الثورة وتحول إلى عامل من عوامل شرذمتها، لا لأنه كان صحيحاً وصار خاطئاً، بل لأن ظروف استخدامه هي التي كانت تتبدل بين يوم ويوم، ولأن قوى الثورة أجمعت على استراتيجية من دون إجماع على أولويات أو خريطة طريق.

ثورة لحماية الدستور

ماذا تعني، في الوضع اللبناني الملموس، ثورة تحت سقف الدستور؟ أول معانيها أنها ثورة لحماية الدستور ممن ينتهكه، وثانيها الإصرار على الطابع السلمي للثورة وعدم استخدام العنف، وثالثها التأكيد على أن الشعب لا يريد إسقاط النظام بل يريد تطبيق النظام، أي تطبيق الدستور والالتزام بأحكامه، لأن تعديل ما ينبغي تعديله يتم في ظروف الاستقرار لا في ظروف التوتر.

سلاح الثورة قوة معنوية قوامها الصدق والتفاني والعزم على تخليص الوطن من سلطة الفساد والإفساد، وهي لا تملك من أدوات غير الضغط بكل الوسائل السلمية على من يمسكون زمام السلطتين التنفيذية والتشريعية. فماذا عساها تفعل غير الضغط لتحقيق أهدافها؟ الجواب على هذا السؤال هو المفترق. هو بداية الارتباك، بداية انتهاك المبادئ والثوابت.

انتهاك مبادئ الثورة على يد الثوار لا يقل خطراً عن انتهاك دستور الدولة على يد أهل السلطة. هو في الحالتين مدعاة للتفكك والتشرذم. بفعله صارت الدولة دويلات وبسببه بدت الثورة كأنها ثورات، وتبعثر جمهورها بعد أن كان ملء الشوارع والساحات، ودخل في حالة من الخيبة والإحباط.

أربعة انتهكوا مبادئ الثورة مفضلين الالتزام بمبادئهم الفئوية، أتباع علمانية مزعومة، وأتباع ماركسية مبتذلة، وفوضويون، ومناضلو الصالونات ممن يرون فيها منصة إعلامية ويستغرقهم توصيف الحالة والشكوى والنقاش النظري.

العلمانية والفهم المغلوط

علمانيو بلادنا أدخلتهم أحزابهم في خصومات مع الدين ورموزه، وغاب عن تفكيرهم أن الدولة المدنية التي تدعو الثورة إلى قيامها ليست شيئاً آخر غير الدولة الديموقراطية، وأن العلمانية لا تعني فصل الدين عن الدولة بل فصل سلطة المؤسسات الدينية عن سلطة الدولة، هي فصل بين سلطات لا بين أفكار، في ظل اعتراف كل منهما بالآخر وبحق الاختلاف. لم ينتبه علمانيونا إلى أن مصطلحات العلمانية والدولة المدنية والديموقراطية وحقوق الإنسان متحدرة من أصل واحد هو الثورة الرأسمالية، الفرنسية والأميركية، وهي كلها فروع من شجرة نسب واحدة هي الدولة الحديثة، دولة القانون التي تأسست مع نابليون بونابرت.

لأن الثورة اللبنانية ثورة تحت سقف الدستور وثورة للدفاع عن الدستور، فهي تحتاج إلى من ينصرها ويشد أزرها في موقفها “الدستوري”هذا. غير أن الفهم المغلوط للعلمانية يجعل أهل الثورة يفترقون، فمنهم من يرحب مثلاً بموقف البطريرك الماروني الأكثر وضوحاً في تنديده بانتهاك الدستور والأكثر إصراراً على الدعوة للالتزام بأحكامه، ومنهم من ينكر عليه حقه بالتدخل مع ما في ذلك من مجافاة لمبادئ الديموقراطية.

في الأوضاع الراهنة من أزمة الوطن، لا يضير الثورة إن استقوت بموقف البطريرك وسواه من رجال الدين الداعين إلى قيام دولة علمانية. بل هي تقصّر إن لم تسترشد مثلاً بوصايا الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي واجه عدوان الشيعية السياسية على سيادة الدولة وعلى الانتماء الوطني بدعوته إلى قيام “دولة بلا دين” بحسب تعبيره، من غير أن يملي عليها ذلك أي التزام ديني أو سياسي بمواقف المؤسسات الدينية من قضايا أخرى مثل قوانين الأحوال الشخصية. نقطة اللقاء هنا هي الدفاع عن الدستور.

العلماني، حتى الأكثر مرونة وديموقراطية، ترتعد فرائصه من التنوع الديني ومشتقاته السياسية. أهل السلطة يعرفون ذلك فيعملون على إثارته ضد الطائفية وانقساماتها فيما هم يستظلون بما يسمونه حقوق الطوائف لتكريس نظامهم الاستبدادي المقنّع. معركتنا أيها الرفاق العلمانيون ليست ضد خصم وهمي إسمه الطائفية بل ضد عدو من لحم ودم إسمه الاستبداد، هو عدو الديموقراطية وعدو الدستور وعدو الطوائف. المعركة أولاً وآخراً هي للدفاع عن الدستور الديموقراطي الوحيد في هذا الشرق العربي الإسلامي.

هي ثورة تحت سقف الدستور ودفاعاً عن الدستور ضد منتهكيه. إذن هي ليست ثورة للانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ولا هي لاستبدال القطاع المصرفي بالقرض الحسن. أتباع الماركسية المبتذلة، والعبارة للماركسي سمير أمين، هم الذين فسروا تفسيراً سطحياً أقوال ماركس عن أولية العامل الاقتصادي وعن الصراع الطبقي. ولهذا النقاش النظري قصة أخرى أيضاً.

الثورة اللبنانية ليست ثورة فقراء ضد الأغنياء، ولا هي ضد أصحاب الثروات، ولا هي ضد النهب الذي تحدث عنه ماركس في كلامه عن القيمة المضافة والرأسمالية المتوحشة، بل هي ضد لصوص من الطغمة الحاكمة تمكنت الثورة من مطاردتهم ومحاصرتهم حتى انكشفوا عراة معزولين من غير غطاء، قوى سياسية وحزبية من تحالف الميليشيات والمافيات تواطــــأت على انتهاك الدستور وتشريع السرقة والسطو على المال العام.

أتباع الماركسية المبتذلة المستتبعون للبنوك الإسلامية جعلوها ثورة ضد القطاع المصرفي وتولوا بديلاً عن القضاء إطلاق الأحكام وصوبوا على غير الأهداف التي حددتها الثورة. إذا كانت الثورة دفاعاً عن الدستور فالمستهدف ليس المصارف بل منتهكي الدستور من التحالف الميليشيوي المافيوي الذين يشرّعون للنهب عبر المصارف وسواها. القضية هنا هي أيضاً قضية الدفاع عن الدستور، أما مسؤولية المصارف والاقتصاص منها على أخطائها فهي أمر من اختصاص القضاء المستقل لا من صلاحيات الثورة.

أما الفوضويون فهم مناضلون في كل واد يهيمون، يمضون في رحلة نضالهم “الريعي” من غير بوصلة. كلما لمحوا رمزاً سلطوياً ينصبون خيمة ويرشقون شجرة فساده بحجارة الكلام ثم تحملهم الحماسة فيستخدمون لغة العنف وبلاط الشوارع وأعمدة الإضاءة، فيستغلهم أهل الثورة المضادة ويندسون في صفوفهم لتخريب نظافة الثورة وسلميتها وللتشويش على وضوحها.

مناضلو الصالونات ربما يمتلكون فائضاً من صدق انتمائهم إلى الثورة ومن سخاء تضحياتهم. ربما ينقصهم بعض التجربة. إنهم في الغالب ممن تعرفوا على الثورة من عالمهم الثقافي لا من خبرة نضالية. تراهم يتحمسون للثورة ويغفلون مبادئها.

مأزق سلطة الفساد ومأزق الثورة في آن

إن ثورة تحت سقف الدستور لا تملك غير أن تضغط وتطالب. أما تحقيق المطالب فأمر منوط، من الآن حتى انتصار الثورة، بالمسؤولين عن التخريب، والعودة إلى احترام مبادئ الدستور أمر مطلوب تنفيذه من منتهكي الدستور، والذي ينبغي أن يحقق استقلالية القضاء الآن هو ذاته المعتدي على استقلاليته.

الثورة مسؤولة عن إسقاط الحكومة لا عن تشكيلها، عن الصراخ في وجه اللصوص لا عن الاقتصاص منهم، عن التصويب على المتهمين لا على محاكمتهم. المحاكمات الميدانية هي من فعل الانقلابات العسكرية والثورات الدموية.

الثورة لا تملك غير الضغط السلمي. بلى، عليها أن تمتلك الصبر الثوري. عليها ألا تستهين بما أنجزته وألا تستعجل إعلان نصرها النهائي. إن منظومة الفساد والإفساد تمضي نحو نهايتها عاجلاً أم آجلاً، وعلى الثورة مهمة مزدوجة: أن تجعل سقوط المنظومة مدوياً وأن تجعلها تسقط وحدها وأن يبقى الوطن شامخاً وعصياً على السقوط.