16 أغسطس، 2022

تصريحاتهم “ناسخ ومنسوخ”

6 آب 2022

https://www.nidaalwatan.com/article/98866

قيلت العبارة في الآيات التي تنقض إحداها معنى الأخرى. تلك آيات. أما تصريحاتهم فمماحكات ومقالب ومناورات وأكاذيب ودق أسافين. رغم تباعد الشبه، يتعامل المحازبون والمتعصبون مع كلام زعمائهم بمثل ما تعامل الفقهاء مع الآيات، إذ جعلوا منها مادة للتفسير والتأويل والغوص في معانيها المحتملة.

كلام الزعيم، ناسخاً ومنسوخاً، صحيح ومقدس، في نظر الأتباع والمعجبين والمحازبين والمتعصبين. هو ليس آية لكنه يشبهها، يصدقونه وينشرونه على المنعطفات وعلى أعمدة الكهرباء وعلى الشاشات وفي مكبرات الصوت ويتلونه كالاستظهار في الصباح، وفي المساء يتلون نقيضه ولا يرف لعقولهم جفن.

قد يكون الناسخ والمنسوخ كلاماً ينفي بعضه بعضاً أو أفعالاً تناقض الكلام، وهذا هو الأكثر رداءة لأن التناقض الذي فيه ليس مجرد نسخ بل هو تجسيد “لنظام التفاهة” mediocracy الذي يتميز، بحسب الكاتب الكندي آلان دونو، “بغياب الكفاءة والذوق الرفيع، وتسود فيه الرداءة والاذواق المنحطة وتسيطر فيه طبقة الاشخاص التافهين”.

ما أكثر الناسخ والمنسوخ في كلامهم وفي أفعالهم، بدءاً من رأس الهرم، الذي لا يمل عن الإعلان عن تصميمه على متابعة عملية الإصلاح فيما تكرر الجوقة من حوله عبارة “ما خلونا”؛ وعن تصميمه على حماية الدستور فيما ينتهكه مع كل إشراقة شمس في طريقة إدارة الأزمة وتقاسم الدولة ومؤسساتها وإداراتها وثرواتها بين متحاصصين يديرون شؤونها وكأن الأزمة تعني بلاداً غير بلادهم وشعباً ليس شعبهم.

أكثر نماذج النسخ سطوعاً ما يتعلق بالسلاح خارج الدولة. تبدأ الذرائع بتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ثم تكر سبحة النسخ: حماية الحدود، ردع العدو، الدفاع عن المياه الجوفية، السلاح دفاعاً عن السلاح، حماية الثروة النفطية، فضلاً عن مهمات قومية وأممية تبدأ بتحرير فلسطين ولا تنتهي بمحاربة الشيطان الأكبر وعملائه وأدواته في المنطقة.

أما الكلام عن الدولة فهو نسخ بلا حدود. من الوقوف خلف الدولة إلى الحلول محلها والتهديد باسمها واستعراض القوة ضدها بالقمصان السود أو بتعداد صواريخ تعصى على العد، وتوظيف ذلك في الصراعات الداخلية لحماية منتهكي الدستور والخارجين على القانون.

آخر مبتكرات النسخ تصريحان لرئيس المجلس النيابي. يشدد في الأول على أنه سيدعو إلى انعقاد جلسة لانتخاب الرئيس في أول يوم من المهلة المحددة في الدستور، ثم ينسخ تشديده مشترطاً، قبل الدعوة إلى انعقادها، تنفيذ الخطة الإصلاحية.

هذا النسخ هو الأخطر في هذه المرحلة، لأنه يخفي مسؤولية المجلس النيابي عن القاع الجحيمي الذي بلغته الأزمة، ولأن عطوفته يرفع الخطة مثلما رفعت المصاحف في معركة علي ومعاوية، ويناور بها لا لتنفيذها بل لاستخدامها سلاحاً في مواجهة العهد وفي “دوزنة المعركة الرئاسية”، وهي مواجهة مضبوطة بكلام عن عدم التفريط بالحقوق الوطنية في البحر، ثم بإجماع التحالف الحاكم على نسخ هذا الكلام بالتخلي العملي عن الحدود البحرية التي تحفظ حق لبنان بثروته النفطية.

نسخ يشبه ما ورد في اتفاق الطائف حول إعادة تموضع القوات السورية تمهيداً لانسحابها. فقد جعل نظام الوصاية انسحابه رهناً بتحقيق الإصلاحات الواردة في وثيقة الوفاق الوطني والمتعلقة تحديداً بإلغاء الطائفية السياسية وإجراء انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي وتمثيل الطوائف في مجلس الشيوخ، لكنه راح يعمل سراً وعلانية لا فحسب على الحؤول دون تحقيق أي بند من بنود الوثيقة، بل على تدمير ممنهج لمؤسسات الدولة.

على أمل ألا تكون النسخة المحلية من الناسخ والمنسوخ منسوخة أو صورة طبق الأصل عما تعلمه التلامذة النجباء من أساتذتهم في مدرسة الممانعة خلال مرحلة الوصاية.