30 مايو، 2023

الإصلاح الديني الحقيقي دين جديد

7 نيسان 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/160454

انطلقت فكرة الإصلاح الديني من الاعتقاد بأن تخلف العالم العربي والإسلامي إنما يعود إلى سوء فهم لتعاليم الدين، أي إلى قراءات مغلوطة للنص القرآني. ظل هذا الاعتقاد سائداً منذ أيام الحركة الوهابية حتى آخر المحاولات الحديثة والمعاصرة من قبل فلاسفة ورجال دين في طول البلاد العربية وعرضها، استعرض بعضاً منها الزميل حسان الزين في جريدة نداء الوطن بتاريخ 25-3-2023

لا أتخيل موضوعاً نال من اهتمام الباحثين أكثر مما ناله موضوع النهضة والإصلاح، إذ تكاد لا تخلو قائمة منشورات سنوية أو صحيفة يومية أو مجلة دورية أو صفحة تواصل مما له علاقة بقضية الحداثة والمعاصرة والتراث، أو قضية الانتقال من حضارة القرون الوسطى إلى الحضارة الرأسمالية، لذلك تبدو الأسماء التي تم استعراضها في بحث حسان الزين، على أهمية دورها البحثي والإصلاحي، ليست سوى قامات كبرى في هذا المضمار، لكن معدودة.

يمكن القول، على سبيل المقارنة، إن عملية الانتقال من حضارة الإقطاع، أو حضارة الخراج كما يسميها سمير أمين، أو حضارة الأديان التوحيدية كما أفضل أن أسميها، إلى الحضارة الرأسمالية، ما كان لها أن تتحقق في أوروبا لولا جهود بذلها مصلحون في كل حقول النشاط البشري بما فيها الديني، في الثقافة والاقتصاد والسياسة. لكن العامل الحاسم هو عامل التحول السياسي الذي تجسد في انتقال الحاكم من ممثل الله على الأرض إلى ممثل الشعب في النظام الديمقراطي.

التجديد الديني ليس ظاهرة مرتبطة بعملية الانتقال هذه. فالأديان كلها تشعبت مذاهبها وتعددت تفسيرات نصوصها المقدسة، فكان أول تجلياتها في الإسلام نشوء فرق وتيارات مباشرة بعد موت النبي محمد من بينها المرجئة والصفاتية والخوارج وتلاها ما شهدته دولة الخلفاء الراشدين ثم الدولة الأموية ثم العباسية من تيارات دينية وفلسفية من بينها المذاهب الأربعة السنية والمذهب الشيعي بكل فرقه وتشعباته. وهي افترقت وتخاصمت وتنافست، لكنها كانت كلها تنهل من الفكر الإسلامي ومن النص المقدس.

الوهابية واحدة من حركات نشدت التجديد، ومثلها الحركة السنوسية والمهدية والكاشانية، إلى شخصيات التصقت أسماؤها بفكرة التجديد من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. غير أن محاولات التجديد الديني لم تصب روافدها في نهر النهضة الكبير، بل على العكس إن معظمها عمل، من غير أن يدري، على سد الطريق أمام النهضة المأمولة.

يعود السبب في ذلك أولاً إلى أن تلك المحاولات الجادة لم تشكل عربة في قطار الإصلاح الشامل بل ظلت تعزف لحناً منفرداً خارج سرب التحولات الإقتصادية ولا سيما السياسية التي زعزعت أركان الحضارات الدينية كلها.

ويعود ثانياً إلى أن التجديد في فقه الدين، على أهميته، ليس منطلقاً صالحاً للنهضة التي ينبغي أن تبدأ بإصلاح سياسي يتناول السلطة الدينية وسلطة الدولة على حد سواء، وهو ما أكده مسار النهضة الأوروبية التي ما كان للحركة اللوثرية أن تنجح لولا تلقيها دعماً من البرجوازية الناشئة في أوروبا الشمالية عموماً وألمانيا على وجه الخصوص، ولولا إرغام الكنيسة على الانسحاب من إدارة الشأن العام إلى الحدود التي رسمها نابليون للبابوية.

إذا كان النص القرآني «حمّال أوجه» على ما قال الإمام علي، فلن تجدي قراءة تجديدية يضيفها مفكرون متنورون ما دامت المؤسسة الدينية الرسمية تنافس الدولة على سيادتها، وغير الرسمية تطمح إلى إقامة إمارات وتأسيس سلطات بديلة عن سلطة الدولة.