20 مايو، 2024

فلسطين ليست قضية دينية

4 تشرين الثاني 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/221185

يمكن أن تكون القدس، كرمز ديني للمسلمين وللمسيحيين، حافزاً ومادة للتعبئة في مواجهة الوحش الصهيوني، هذا كان دور الدين في الجزائر ضد الاستعمار. غير أن التعامل مع قضية فلسطين كقضية دينية مضر بالدين وبالقضية.

المخالف للطبيعة في قيام دولة إسرائيل ليس الاستيطان ولا اقتلاع شعب من أرضه وزرع شعب بديل. وجود أهل الذمة في بلدان الخلافة الإسلامية دليل على ذلك، وتحويل الآستانة إلى قسطنطينية وهذه إلى اسطنبول دليل آخر. ففي هذه المنطقة بالذات تعاقبت وتعايشت وتساكنت حضارات حتى صار اللبناني المعاصر ينقب في التاريخ بحثاً عن جينات كنعانية وآرامية وسريانية وعربية.

كان يحصل ذلك في حضارات سابقة على الرأسمالية. الحضارة الجديدة صنعت أوطاناً ورسمت لها حدوداً. الوطن بالتعريف، شعب وأرض وسيادة. والسيادة بالتعريف هي سيادة القانون الوضعي. هذا طبيعي لأنّ لحضارة المصنع عقلها العلمي مثلما كان لحضارة الأرض عقلها الغيبي ولحضارة القبائل والعشائر عقلها الأسطوري. هذا يعني أن الرأسمالية طوت صفحة التبشير الديني وأحلت محل الدولة التيوقراطية دولة القانون والمؤسسات.

من هذه الزاوية يعتبر قيام دولة إسرائيل على أساس ديني مخالفاً لطبيعة العصر، وعودة بالتاريخ إلى الوراء، وبالمعنى ذاته يتعارض توظيف الدين الإسلامي أو المسيحي لمحاربة الدولة اليهودية مع آليات التفكير بعقل الحضارة التي نحيا في ربوعها، والتي لم تلغ الحوافز الإيمانية ولا القيم الدينية بل جعلت، في السياسة، ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

اعتمدت الرأسمالية منظومة جديدة من القيم، الدين السياسي فيها يتمثل بالتعايش بين المختلفين والاعتراف بالآخر واحترام التنوع والتعدد؛ بواسطة العلم يرسم المرء خارطة طريق للمستقبل، فيما سياسة الأديان السابقة تشتق من الإيمان حماسة وتبني عليها ثقة بالحتميات السماوية. أما الدين الاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي في الرأسمالية فشأن آخر.

واجهة العنصرية الصهيونية من موقع ديني تجعل طرفي المواجهة متماثلين في انتمائهما معاً إلى أصوليات غابرة وإلى تعصب يتحول بموجبه كل آخر إلى عدو، ويختلط الحابل بالنابل، وتنحدر لغة المواجهة نحو مصطلحات طائفية ومذهبية تضيع في طياتها الحقيقة. هذا ما تنذر بوجوده مجريات السجال اليومي الإسلامي المسيحي والشيعي السني على الساحة اللبنانية.

القضية الفلسطينية قضية سياسية بامتياز لا قضية دينية. إقامة الكيان الصهيوني توج مرحلة من صراع الأوروبيين مع اليهود منذ طردهم مع العرب من الأندلس، ولم تنته بمحرقة هتلر. وسرعان ما تحولت الدولة الصهيونية إلى حاجة للنظام الرأسمالي العالمي، يهب لمساعدتها حين يتعرض كيانها للاهتزاز. هذا يفسر دعم الأنظمة لإسرائيل وتضامن الشعوب مع القضية الفلسطينية.

انتقال إدارة الصراع مع إسرائيل من قوى علمانية كمنظمة التحرير الفلسطينية وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية إلى قوى دينية كحماس وحزب الله نزع عن المقاومة وهجاً ورثته من مقاومات الاحتلال النازي في أوروبا والأميركي في فيتنام والفرنسي في الجزائر، وحرمها من اعتراف العالم بشرعية نضالها، وأضفى عليها طابع التعصب ونعتها بالإرهاب، ولا سيما بعد ظهور الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» كنموذج لما يمكن أن تكون عليه الدول المحكومة بالأصوليات الدينية.

«حزب الله» يقرأ في كتاب «عصر الظهور» ويستشرف لا تحرير القدس وحدها ولا فلسطين فحسب، بل تحرير البشرية كلها من الشر والظلم بقيادة المهدي المنتظر. لا نعرف إسم الكتاب الذي يقرأ فيه الحوثيون والعلويون ولا نعلم ما إذا كان لحماس مهدي يخص أهل السنة، وما إذا كانت الأصوليات كلها، بما فيها داعش، تقرأ بعين واحدة وفي كتاب واحد القوانين المكتوبة في لوح السماء.