24 يوليو، 2024

-وادي هنوم- رواية في نقد الدين


الحوار المتمدن-العدد: 8027 – 2024 / 7 / 3 – 12:44

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=834806


يعرّف الكاتب، علي سبيتي، عن نفسه، على غلاف الرواية( وادي هنوم، منشورات دار سائر المشرق) بأنه عضو سابق في اتحاد الكتاب اللبنانيين وعضو سابق في اتحاد كتاب وصحافيي فلسطين، ما يعني أنه غادرهما مثلما غادر قرينه، الشيخ لوط بطل الرواية، سراب الحقيقة الذي كان يتلقنه، كما كل الملتزمين، في الحوزة كما في الثورة، ليبحث عن الله خارج الأديان، لأن الله الذي يتخيله ويبتغيه “بريء من أديان هي من صناعة البشر”.
الرواية أجزاء وفصول يمهد لها بتوطئة. على امتداد التوطئة تشعر كأنك أمام بحث علمي أكاديمي يقدم فيه الكاتب مسوغات موضوعه ومنهجه في الكتابة، أو كأنه يلخص فيها مضمون الرواية في مناخ من الشعر والفلسفة والصوفية وبلغة يعج حقلها المعجمي بالموت والقتل والقبور والتوابيت والدموع والسواد والتزمت والعصبية وأحزاب الزواريب وتنظيمات الحرب الأهلية التي “أفكت بعضها من لحم بعض زحفاً إلى القدس ونصرة لفلسطين”، ثم يفاجئك بأنه يبدأ سرد الحكاية بالجزء الأخير منها، تليه الأجزاء المرتبة بالتسلسل من الأول حتى السابع.
نشأ لوط في ضاحية بيروت الجنوبية ” ما بين سواد تراب السواتر وأديم دم أحمر من لحم المقاتلين ومضى خلف وهم من باب الحقيقة”، حيث الأعلام من جميع الألوان مرسومة كلها “على أقمشة من خيط الثورة”، واختار منطقة “بئر العبد” ليصغي إلى عظات الشيخ الداعية إلى “هزمِ أحزابٍ باعت نفسها للشيطان”.
غادر لوط الضاحية إلى النجف في العراق ثم إلى قم في إيران ليكنز علماً، يوم “كان الشاه يلملم ما تبقى لديه من وقت”، ثم عاد إلى منزل والديه في بيروت وإلى قريته في جنوب لبنان ليتلو في “ليالي النعوش” على مسامع “أحزاب الحروب” ما حفظه من دروس الدين، وما جمع من “أدوات الحرب من فقه وعقائد وسِيَر”، ملتقطاً من “كرة النار التي دحرجها الإمام الخميني” شرراً يرميه في “ملاعبنا الداخلية”.
أنّى توجه، ثمة غابات من اليافطات والشعارات والصور والبنادق وأكوام القتلى، وسواتر ترابية تفصل بين الأسماء والأشياء والأحياء، وتجارب حزبية تحمل خلاصة تجارب أنظمة الاستبداد أو نسخاً طبق الأصل عنها. اختفت هذه كلها عندما دنت دبابات العدو ودخلت القرى و”أطلق عليها الجنوبيون الأرز والورود واستقبلوها استقبال الأعياد المجيدة”.
في المعتقل اكتشف الشيخ لوط أن بإمكانه أن “يصرخ في وجه العدو وأن يقرأ ويكتب ويعتصم ويتظاهر ويمارس في معتقله ما لا يستطيعه أي عربي داخل دولته الوطنية أو داخل أحزابها”. ترافق انتقاله إلى الحرية مع تبديل ثوب النضال من الأخضر(حركة أمل) إلى الأصفر(حزب الله)، فصار يرتدي في عاشوراء ثوباً أسود ويعصب عمته البيضاء بشريطة سوداء كتب عليها “كربلاء طريقنا إلى القدس”. تبديل بمثابة الردة أدخله إلى سجن جديد هذه المرة يحرسه إخوة السلاح والجهاد والدين من أهل الخندق الواحد، بعد أن بدأ “حزب الله يأكل شيئاً فشيئاً من لحم حركة أمل”.
مسار طويل حمل فيه عصا الطاعة وعصا التطويع والتأديب. مشى بين المعارك من حرب المخيمات إلى حرب مغدوشة إلى تحرير التراب من رجس الاحتلال إلى عدوان تموز 2006. الأشد هولاً بين تلك المعارك الاقتتال في إقليم التفاح، ترجمة لخلاف إيراني سوري لم يتوقف إلا بتسوية واتفاق بينهما على الاستثمار معاً بالشراكة في لبنان. خلال هذا المسار اصطدم الشيخ بالمجلس البلدي في القرية وافترق عن الحزب بعد أن “آن أوان تسريحه النهائي على خشبة من نعش الخطيئة التي اعتكف فيها”. صار الشيخ، في نظر التعاميم الداخلية، ممن وجب تغريمه بالعقوبة “حتى يكون عبرة للغير وتطهيراً للنفس اللوامة.
قرر الشيخ لوط “البحث عن المفقود عبر مراجعة نقدية لاذعة للفكر الذي أودى به إلى التطرف”، فوجد في كتب الدعاة بأن “الإسلام مجرد سيف مسلط على رقاب الأقربين والأبعدين”. على الضفة الأخرى من الفكر الديني قرأ “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبد الرازق، و”تحطيم الصنم” لأبي الفضل بن الرضا البرقعي، و”المهدوية في الإسلام”، ووصل مع “أحمد كسروي إلى أن المهدوية فكرة فارسية”.
حملته حماسته النقدية على التوقف كثيراً عند “الأخطاء النحوية في القرآن”، وأرعبته نصوص السيف ورواياته، وأثاره “السعار الجنسي المنتشر في النصوص وفي التجربة من خلال تكديس النساء في بيوت الصحابة ودار الخلافة وولايات الدولة الإسلامية”، وفتاوى “تفخيذ الرضيعة” و”إهداء الفروج” و”إرضاع الكبير”.
أوقعته هذه المراجعة في فخ الأسر من جديد، هذه المرة في السجن “الأخوي”، فجعلته سنوات السجن “يستفيق من كبوة الكتب ويكنس المناشير والبيانات وخطب الجمعة ووعظ وعاظ الدين وما اكتسبه من فقه وأصول وتفاسير مميتة”. بعد خروجه إلى الحرية راح “يتأمل المصير الذي أوصله إليه باعة العلم الديني وتجار المذاهب”. ينتهي الجزء الخامس بمحاولة اغتيال ينجو الشيخ منها بمحض الصدفة.
في الجزء السادس “يتنفس الشيخ هواء وطن الحرية” بعد رحيله إلى ألمانيا، حيث يمكن للإنسان أن يفكر من دون رقيب، هناك حيث أصبح للشيخ وطن يتثاءب فيه، بحسب قول الشاعر محمد الماغوط. وعندما عاد من منفاه ليشيع أخاه، وجد نفسه على رصيف المقاهي في شارع الحمرا ببيروت، “ودخل في سجال طويل مع نفسه حول ضرورة الخروج من مسلك المشيخة الضيق إلى رحابة المدنية”. لكنه سرعان ما استدعي إلى القضاء الحزبي وحكم عليه بنوع من الإقامة الجبرية، استفاد منه ليكتب عن تحرر الإنسان من سلطة النص واستبداد الحاكمين، وليصدر مجلة “أشواك” كتب فيها أن للأصنام الحديثة “أسماء كثيرة ومتعددة من الملكية إلى البابوية والحزبية والمرجعية إلى القيادة التاريخية.
في الجزء السابع والأخير دعا الشيخ إلى الاعتراض بشدة على من يعتبر أن الإسلام “دين دولة”، لأن الدين من عند الله أما الدولة فمن صنع البشر على ما قال “ملهمه الأول الشيخ علي عبد الرازق”. لم يكن لمراجعته حدود، فالشخصية العربية-الإسلامية، في نظره، “مجبولة بماء الجهل وإسمنت التخلف”، وهي مشوهة بفعل النص الديني وبفعل غيره من النصوص اليسارية.
عندما “طفح الحبر في دواة عقله” خاض مغامرة هدم المقدسات كلها ، معترضاً “على كل حقيقة آمن بها الإسلاميون”، ورأى أن العلمنة وحدها هي الطريق إلى خلاص الشرق من الاستبدادين الديني والسياسي، متأثراً في ذلك بالرئيس الإيراني محمد خاتمي.
انتهت المراجعة بالتوبة بعد أن تعرض الشيخ لحادث أشرف جراءه على الموت، فطرق التائب باب المساعدات المالية، وعاد “يبذر بذار الصمت ويكتب على نفسه كبت ما يلج في صدره ما يدور في رأسه”، بعد أن عاش الشيخ عاشقاً لثقافة الموت، وبعد أن كان يجثو لسلطة السيف عندما كانت العقيدة والمقاومة والحزب مسك الحب الطاهر”، عاد وجثا لسلطة الحب وجسد الدنيا حيث “آنس امرأة أشعلت زيت ذاكرته بكبريت عينيها وأغرقته في كوب من اللذة”، ” فكان “لا يتعوذ كلما رآها، من شيطان النفس وإبليس الجنس”.
انفتحت مع التوبة والعشق أبواب جديدة، فصار الشيخ “ملاذاً لأصحاب العاهات والكروب والآفات والأمراض المستعصية، وبات مزاراً للبركة والاستخارة وفك السحر وقراءة الغيب ودفع أذى الجن”، فذاع صيته في القرى والأمصار وجهز حقائبه ليساعد الخليجيات على طرد الأرواح الشريرة بواسطة البخور، وتحول الشيخ إلى واحد من المشعوذين أو “بائعي الفراغ”، “أذل نفسه بعد أن أعز فلسه”(العبارة لأبي حيان التوحيدي، في كتاب الإمتاع والمؤانسة)، وخيط فمه “بخيط من حرير النعمة”، وقرر المخادعة والتقنع بقناع التقية، فأظهر ما لا يستبطن، واختبأ وراء الجبة”
في الفصل العاشر والأخير من الجزء السابع كتب في مذكراته أنه “ليس لوطاً ولا شيخاً يؤم المجاهدين إلى مثواهم الأخير” وأنه “شخصية مشوهة، شوهتها النصوص والإيديولوجيات” وانتهى مستسلماً إلى نوع من الضياع أوجزه في هذا المقطع: “أنا نفسي لا أعرف نفسي، فلا أنا مسيحي ولا أنا يهودي ولا أنا مجوسي ولا أنا مسلم، ولا أنا شرقي ولا أنا غربي. في بحر العشق ذبت كالملح، لم يبق كفر ولا إيمان ولا يقين…”
***
عنوان الرواية، وادي هنوم، استخدمه الكاتب مرة واحدة في النص مفسراً معناه بأنه وادي جهنم. وهو واد قرب مدينة القدس، ورد في تاريخ الأديان، ومنه اقتبست لفظة جهنم في النص الإسلامي، واستناداً إليه صوب علي سبيتي نقده نحو النصوص مفترضاً أنها ذات أصل واحد في الأديان السماوية الثلاثة.
من الملاحظ أن الكاتب اختار نقد النص الديني بدل نقد الفكر الديني، ولذلك انتهى بطله إلى الكفر بكل شيء وإلى الضياع الفكري والديني والسياسي. هل كان يمكن إنقاذ البطل من هذه النهاية لو اختصر الكاتب نقد النص بعبارة واحدة وردت في الرواية مفادها أن قيمة النصوص الدينية مرتبطة بالظروف التاريخية التي أنتجتها، ولو ركز نقده على تفسير النصوص وترجمتها في الممارسة السياسية والحزبية؟ أثبتت التجربة أن حراس الدين يرفضون كل أنواع النقد، لا صادق جلال العظم ولا نصر حامد أبو زيد ولا محمد عابد الجابري ولا محمد أركون ولا سواهم. كل نقد في نظرهم كفر. مع ذلك، يمكن القول إن أزمة الفكر الديني لا تكمن في “سموم النص” بحسب تعبير الشيخ عباس حايك، بل في سموم الممارسة التي يتولاها جهلة الدين. لم يعاقب الأخطل على قوله أمام الخليفة:
إذا ما نديمي علني ثم علني …. ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت أجر الذيل زهواً كأنني …. عليك أمير المؤمنين أمير
بينما حاول جاهل أن يغتال نجيب محفوظ لأنه كتب رواية تتضمن تلميحات دينية. الأزمة لا تتعلق بالنص بل بمن يقرأ النص، وينطبق عليه قول المتنبي:
كلما أنبت الزمان قناة …. ركب المرء في القناة سنانا
من ناحية أخرى، يبدو من الطبيعي أن ينتهي بطل الرواية إلى ما انتهى إليه لأن نقد الدين عنده يتجاوز حدود المراجعة وإعادة القراءة إلى الوقوع في فخ الندم، فيصبح من الطبيعي أن يتهم صاحب النقد بالردة وبخيانة الماضي، في حين أن من يقرأ ماضيه قراءة نقدية عليه أن ينتبه إلى أنه كان واحداً من صناعه، وبناء عليه فإن النقد الذاتي ليس محكمة تدين و تبرئ بقدر ما هو مدرسة يتعلم فيها المرء من تجربته ومن تجارب الآخرين.
وادي هنوم رواية بإسلوب جميل مبتكر. لا راوي فيها غير الكاتب ولا حوار فيها لأن بطلها واحد، والسرد فيها تداعيات فكرية فلسفية، ولغتها يقل فيها النثر وتزدحم بالشعر فتتحول بعض فصولها إلى تداعيات مسبوكة بالمجازات والاستعارات بدت فيها الضاحية وهي “تعربش بشكل فطري على بستان الوطن بعد أن ترعرعت على سواتر الحرب وتمددت في النعوش وكانت جنازة مفتوحة على القبور الفارغة والتأبين اليومي”، وبدا فيها الشيخ وليد “قرى صغيرة معلقة بحبال الوقت والموت، وهو يرمم جدران الذاكرة… بعد أن قضى سنة كاملة في مخبأ الخوف وقد أكلت الوحشة أوراق صوته وعبث الصمت في حنجرة الوقت، وضاقت به حفرة الحزن فخرج مسرعاً إلى فضاء الروح وصعد سلماً من سماوات الأنبياء وقد أدماه حجر الكفر…”