5 يوليو، 2022

السلفية بين الثورة والتغريب

كتاب عن الإسلام لشارل سان برو (مترجم)*

” صورة الإسلام في الغرب غالبا ما كانت مشوهة …إن أبحاثي وأعمالي تستهدف تخليص الإسلام من الصور المشوهة والمغلوطة…”هذا ما قاله الباحث شارل سان برو في كلمته التمهيدية للطبعة العربية من كتابه باللغة الفرنسية .العنوان بالعربية هو التالي: الإسلام : مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب . وهو ترجمة للعنوان :

 islam: l,avenir de la tradition entre revolution et occidentalisation 

 النص الفرنسي لا يقصد السلفية أبدا ، بل الإسلام والتراث الإسلامي عموما . وقد أساءت الترجمة للكتاب ولقيمته العلمية ، لأنه لو كانت السلفية هي المقصودة في متن النص لتوجب على الكاتب أن يبدأ بتعريف المصطلح . والحال ، إنه لم يبدأ بتعريفها مع المصطلحات ذات الصلة إلا في الصفحة 422 ( الكتاب من 484 صفحة من القطع الكبير)

كان على المترجم أن ينتبه إلى أن الكاتب لم يذكر ، في كلمته التمهيدية ، المترجمة هي الأخرى ، مصطلح السلفية ، بل هو ركز على مصطلح الإسلام ست مرات في سبعة عشر سطرا . الإسلام هو المقصود إذن  وليس السلفية . فهل كان الخلط بين المصطلحين أمرا مقصودا؟

يوفر الكتاب في متنه تبريرا قويا لهذا الالتباس ، إذ إنه لم  يتناول من الإسلام تراثه الأول من أيام الصحابة أو عصر التدوين إلا لماما ، لينتقل بسرعة واستفاضة إلى مرحلة حديثة تبدأ بعصر النهضة ، وبالتحديد بعصر التنوير العربي ، وعلى وجه الدقة ، بحركة الإصلاح الديني التي دشنها محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، ما جعل دفاعه عن الإسلام يبدو وكأنه دفاع عن الوهابية.

الارتباك في ترجمة المصطلح الفرنسي(tradition)ظهر في أكثر من مكان من الكتاب، حيث كان المترجم يضع إلى جانب مصطلح ( السلفية ) مصطلحا آخر هو ( السنة) ( ص186 مثلا) جاعلا من أحدهما مرادفا للأخر أو مساعدا على نقل المعنى ، أو يضع مصطلح السني السلفي ( مصطلح مركب هذه المرة) مقابل الباطني والهرطقي ، جاعلا من الأول نقيضا للثاني، ما يدخل النص كله في سلسلة من الالتباسات لا يقتصر تأثيرها على غموض موضعي في جملة أو عبارة أو مقطع ، بل يتعداه إلى جملة المقصد من الكتاب : هل يريد الكاتب تقديم صورة موضوعية عن الإسلام أم عن السلفية؟

الترجمة لوت عنق اللغة والفكرة أيضا ، فصارت ” السلفية  ( المقصود كل التراث الديني )هي التبشير بالمستقبل ” ، وصارت السلفية ” تسير مع الإصلاح جنبا إلى جنب”، وبناء على هذه الفرضية وتلك ، صار محمد بن عبد الوهاب ” هو رائد الإصلاح الحديث” …إلى ما هنالك من استنتاجات لم يؤكدها أي بحث علمي .

وقعت اللغة ضحية الترجمة ، وضحية الطباعة وعدم التدقيق الطباعي ، فخرقت القواعد العربية في أكثر من مكان: ( يؤدي الأمر إلى مواقفا إعتباطية ص106)؛عزا أتباعها لإنفسهم سلطة عقائدية مبالغ فيها ( والصحيح مبالغا فيها ص154)؛ هنا يمكن ( بدل يكمن ) دور العقل ص154 ؛ الاستدلال الاستنباطي ( الرأي)( جعلهما مرادفين  ص155)؛ يرى فيه …وسيلة وأداة ضرورية لتطبيق، في الحالات الخاصة ، والأصول العامة التي تنص عليها<كذا>. ( جملة غير مفهومة ص155)؛ في عام 1975 اغتيل الملك فيصل، وهو لقاء حضره سكرتير الدولة …الخ<كذا> ( ص 401)؛ مكسيم روانسون ( بدل رودنسون ص421)؛ فضلا عن التباسات كثيرة في ترجمة مصطلحات أخرى متل إسلام وإسلاموي وإسلام سياسي ونزعة إسلامية ، وفي وضع عبارات غامضة ( لاتفوقه حيال الزمر المتوهمة ص426).

أدى الالتباس في ترجمة مصطلح tradition إلى عدم دقة في تحديد موضوع البحث : هل هو في التراث الإسلامي ( أو في السنة النبوية جوازا) أم هو إحدى الفرق الإسلامية ، أم هو بحث في حركة الإصلاح الديني النهضوي والحديث ، أم في المذاهب الإسلامية الأربعة التي يعترف بها الكاتب ، مضافا إليها المذهب الجعفري الذي يسمى على امتداد الكتاب الرافضة ، أم هو بحث في الفرق بين التطرف والاعتدال ، أم في الفرق بين الإسلام السعودي والإسلام الإيراني، أم هو محاولة في التصويب على مصدر الإرهاب المعاصر، الخ.

 بعض هذه السلسلة من الالتباسات عائد إلى فارق بين منهجي التفكير ، الشرقي والاستشراقي ، الغربي والتغريبي ، الغربي والاستغرابي ، أو ربما من الاعتقاد بأنه ” لا يمكن دراسة الإسلام إلا انطلاقا من الإيمان بالإسلام ، حتى في حال عدم تجربة هذا الإيمان” بحسب قول الباحث الفرنسي (المستشرق) جاك بيرك الذي يستند الكاتب إليه. ربما تكون الترجمة قد أسأءت أيضا إلى الكلام المقتبس عن جاك بيرك، فهو يكون أكثر دقة لو ترجمت العبارة إلى “الاعتراف بالإسلام من غير الإيمان به” ، لأنه ، بحسب الترجمة لا يعود جائزا لغير المسلم أن يبحث في الإسلام . وإن دفعنا الفكرة إلى منتهاها نقع في التطرف الذي يحاول الكاتب أن يستبعد الإسلام عن تبعاته.

الفوارق المنهجية تستتبع فوارق في عدة البحث ، أي في مصطلحاته: التطرف ، التعصب ، السلفية، الأصولية ، الفوضوية ، الظلم ، العدل ، المساواة ، الحرية، السلطة ، الدولة، الشريعة ، الشرعي ، المشروع ،الحركة الاصلاحية، التزمت ، الجمود ، الخ. إذ إن لكل منها  دلالة في المنظومة الفكرية الدينية تختلف عنها في مناهج التفكير الحديثة ذات المنشأ الغربي . لذلك يصبح النقاش حول أي أمر مختلف ، في الأساس ، على تعريفه ووضع حدوده ، بمثابة حوار الطرشان الذي لا يفضي إلى خلاصات علمية ثابتة ، ما يعني أن النقاش ، حين يستأنف ، كأنما يبدأ من جديد ، فلا تتراكم المعارف ولا تتنضد ولا تتناسل ، بل تبقى على شكل خبرات وتجارب نظرية مغلقة على نفسها.

حين نصل إلى نهاية الكتاب ، وبالتحديد إلى التعريف ببعض المصطلحات ، ومن بينها مصطلح السلفية ، نفهم مغزى الكتاب. إن الخيط الناظم لكل المعلومات الواردة فيه هو التالي:

الاعتدال هو السمة الغالبة على التراث الإسلامي كله. وإذا كانت قد ظهرت في تاريخ الديانة الإسلامية بعض مظاهر التطرف التي ينسب الكاتب بدايتها إلى الخوارج ، أول فرقة متطرفة في الإسلام ، فإن ” السلفية ” ظلت ممتدة عبر سلسلة من الفقهاء والمفكرين والتيارات ، جددوا سيرة السلف الصالح من الخلفاء الراشدين والصحابة ، بدءا بأصحاب المذاهب الأربعة ، أبي حنيفة ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل ، مرورا بابن تيمية وإبن خلدون ، وصولا إلى محمد بن عبد الوهاب .

انطلاقا من الوهابية ، يعدد الكاتب اسماء رواد حملوا مشعل الإصلاح الديني ، من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي وعبد الرحمن بن باديس وخير الدين التونسي في العالم العربي ، ومحمد إقبال في الهند والمودودي في البنجاب. وهو إذ يركز على محمد بن عبد الوهاب يشدد أيضا على أهمية التعاون المثمر بين السلطتين الدينية والسياسية التي جسدتها علاقة المصلح الديني مع عائلة آل سعود ، ذلك أن الدعوة الوهابية انطلقت من ” ذلك التحالف المعقود بين كبير القوم السياسي ، الأمير محمد بن آل سعود، ورجل الشريعة محمد بن عبد الوهاب ، على أن يمسك الأول بزمام السلطة ، والثاني بالشؤون الدينية بوصفه إماما.”

الصفحات الأخيرة من الكتاب تتناول التزمت المعاصر وما رمي به الإسلام السياسي من تهم من بينها الإرهاب ، وفيها يؤكد الكاتب على أن الإسلام السلفي بريء من التعصب والأصولية المتشددة والعنف .

*الإسلام
مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب، شارل سان برو، ترجمة وجيه جميل البعريني ، منشورات مكتبة الملك عبد العزيز العامة، الرياض.