(3) المارونية السياسية
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=928986
قيل عن وليد جنبلاط إنه صاحب مواقف متقلبة. في الحلقة الأولى من القراءة في مذكراته رأيت في هذا الاتهام تجنياً وسوء فهم لثوابت لم يحد عنها قيد أنملة، من اللحظة التي ألبسه فيها شيخ عقل الطائفة عباءة الزعامة حتى اللحظة التي ألبسها هو بنفسه لابنه تيمور. ساعد على شيوع التهمة وعلى قبولها لدى الرأي العام أمران، علاقاته الملتبسة دوماً بالثنائي الشيعي، ومشاركته في سلطة المحاصصة مع قادة الميليشيات ومع منظومة الفساد التي نهبت أموال المودعين وبددت الثروة الوطنية.
من ثوابته المؤكدة حرصه على حماية الجبل والدروز والمختارة، ودفاعه عن لبنان الكبير في وجه المفرطين به والمشككين بأهميته، وخصومة مع المارونية السياسية تابعها “على خطى كمال جنبلاط” من غير كلل ولا ملل. تمسكاً بهذه الثوابت لا تفريطاً بها، كان يتخذ قرارات متناقضة وخيارات غير متجانسة.
أولى تلك التقلبات وأبرزها تهديده بالانسحاب من الحكومة إذا لم تحسم أمرها بشأن كاميرات المطار وشبكة اتصالات حزب الله، ثم تهديده بالانسحاب منها إذا لم تتراجع عن قراراتها. الموقفان المتناقضان نابعان من الحرص ذاته على نقل لبنان من الفلتان الميليشيوي إلى الدولة. بنى تهديده الأول على ثقته بقدرة الأجهزة العسكرية على تنفيذ قرارات السلطة السياسية، فجاء تهديده الثاني بعد أن اكتشف عجزها. وفي المرتين كان يبحث عن سبيل لإنقاذ لبنان من سلطة الميليشيات وحروبها الأهلية.
ثانيها وأكبرها موقفه السلبي الحاد من النظام السوري وتحالفه الوطيد معه في أوقات غير متباعدة. فقد بات معلوماً أن وليد جنبلاط عرف إسم قاتل والده بعد ساعات على اغتياله. وهو يعرف، على ما روى لنا جورج حاوي، أن حافظ الأسد طلب منه، بعد استدعائه غداة اغتيال والده، حل الحركة الوطنية اللبنانية، وقطع كل علاقة له مع حلفاء والده، تمهيداً لتشكيل “جبهة وطنية” في لبنان، على غرار تلك التي كانت في سوريا، كخطوة على طريق توحيد البلدين. غير أن والدته، التي استدعاها من منفاها الطوعي في جنيف، هي التي نصحته بضرورة استمرار العلاقة مع النظام السوري لأنه يشكل الملاذ ومصدر الحماية الوحيد لطائفة الموحدين الدروز من المخاطر المحدقة بالطائفة وبالوطن، وأبرزها خطر المارونية السياسية.
يعتقد وليد جنبلاط أن أركان المارونية السياسية يعملون على بناء لبنان بهوية مارونية، وهو ما دأب زعماؤها على تأكيده في سلوكهم، من إميل إده الذي كان مأخوذاً، في مرحلة الانتداب، “بفكرة الدويلات الطائفية”، ولذلك عارض ضم الأقضية ذات الأغلبية غير المسيحية، إلى كميل شمعون الذي كانت له “مراسلات مع موشي شاريت في الخمسينات”، والذي “وافق على الوحدة مع سوريا لإقناع الأسد بالدخول إلى لبنان”، والذي ارتكب “خطأ استراتيجياً فادحاً” يوم طلب الحماية الأميركية ووافق على إنزال الأسطول السادس على الساحل اللبناني، إلى التنسيق السياسي والعسكري المباشر مع إسرائيل وتشكيل كتيبة من الجيش اللبناني بقيادة سعد حداد ثم بقيادة أنطوان لحد، إلى انتخاب رئيسين للجمهورية في ظل الاحتلال الإسرائيلي، إلى سعي ميشال عون التواصل مع الإسرائيليين لخوض معركته ضد القوات.
غير أن وليد جنبلاط يؤكد في مذكراته على أن كلامه عن المارونية السياسية لا يعني الطائفة المارونية ولا المسيحيين، “فأنا أتكلم عن الميليشيات المسيحية لا عن المسيحيين”، أي عن غزو القوات اللبنانية للجبل في ظل الاحتلال، وعن محاولة اغتياله الفاشلة التي كان بطلها إيلي حبيقة، أحد قادة القوات اللبنانية، الذي اعترف بنفسه بذلك لوليد جنبلاط يوم كانا يعملان تحت السقف السوري.
يعتقد محبوه وخصومه أن لديه “أنتينات” استشعار عن بعد، وهذا عائد إلى سعة اطلاعه ومعرفته من خلال القراءة ومن خلال علاقاته الواسعة مع الاتحاد السوفياتي ومع الأحزاب الاشتراكية في الغرب. لم يتأخر في المطالبة بانسحاب القوات السورية من لبنان، أو على الأقل بإعادة تموضعها، ليلتقي بذلك مع ما ورد في بيان المطارنة الموارنة يومذاك، ما شكل تمهيداً للقاء المصالحة التاريخي الذي عقده في الجبل مع غبطة البطريرك صفير. فكيف يقاس هذا بمقياس التقلب؟
بوصلة وليد جنبلاط لا تخطئ. أمامه في الحرب الأهلية خصمان، النظام السوري والمارونية السياسية. كان يتحالف مع أحدهما ضد الآخر حسب مقتضيات المعارك. طلب العون من الجيش السوري لمواجهة القوات اللبنانية في حرب الجبل، ثم تعاون مع القوات اللبنانية في 14 آذار ضد النظام السوري، بعد اغتيال رفيق الحريري. كما تحالف مع حركة أمل لإسقاط اتفاق 17 أيار لأن خطر القوات اللبنانية كان ماثلاً يومذاك، ثم خاض “حرب العلمين” ضدها لأنها شكلت رأس حربة النظام السوري ضد المخيمات الفلسطينية.
خصومة مبررة مع النظام السوري، قاتل والده و”بوابة السجن العربي الكبير”، ومع المارونية السياسية، خصوصاً لأنها تعاود الظهور كلما سنحت لها الظروف، وهو ما حصل بعد الطوفان والإسنادين، الحروب التي أحيت تيار المارونية السياسية المتشدد وألبسته ثوباً جديداً عنوانه الفدرالية التي ليست سوى تسمية أخرى لمشروع التقسيم الذي أطل برأسه في أول الحرب الأهلية، وهو برأي جنبلاط، خطر على لبنان وعلى سوريا.
في نقاش مع صديق لي من القوات اللبنانية، في خريف 1982، وكانت قد بدأت حرب الجبل بين ميليشيا القوات اللبنانية والميليشيات الدرزية، قلت له أما يكفيكم وصول رئيسين للجمهورية لتوقفوا حرب الجبل؟ أجاب أن الحرب لن تتوقف إلا ليعود المسيحيون بكرامتهم إلى الجبل، خصوصاً أولئك الذين تهجروا في حرب 1860. مع الاحتلال الإسرائيلي الجديد عام 2026 دعا بعض المتشددين من المارونية السياسية إلى شرب البيرة في تل أبيب.
المارونية السياسية لم تتعلم الدروس المفيدة من البطريرك الحويك باني لبنان الجمهورية، ولا من البطاركة الأجلاء أصحاب الأيادي البيضاء في الحفاظ على هذا الوطن المتعدد، واحة الديمقراطية في العالم العربي. بل هي لم تعد تقتصر على سياسيين قصيري النظر بل تعدتهم إلى “أدباء وكتاب” وسائل التواصل، وإلى وسائل إعلام وإلى بعض مثقفي “آخر زمن”.
مقالات ذات صلة
قراءة في مذكرات وليد جنبلاط (2) عراقة الحسب والنسب
قراءة في مذكرات وليد جنبلاط(1)
السّودان: مِنَ المَهْدِيَّةِ إلى الجاهِلِيَّة!