بعض النقد يتعلمه المرء من تجربته الشخصية والحزبية. أشهد أنني فخور بكل مواقفي وقراراتي ولا أندم على شيء فعلته في حياتي، فالندم يختص به ضعاف النفوس. لكنني أعترف أن لوائح الصداقات والعداوات التي كانت صالحة للحرب لم تعد صالحة للسلام. وأشهد أن انتمائي إلى اليسار الشيوعي كان لحظة جميلة في حياتي، وأنني ما زلت أعتبر نفسي يسارياً، وأن اليسار لا يزال حاجة للوطن، وأن ماركس ما زال أكثر راهنية من معظم فلاسفة الثورة المعاصرين، وأشهد أن الأغلبية الساحقة من الماركسيين لا يعرفون من ماركس غير ما تناهى إلى أسماعهم من قادة أحزابهم أو عن طريق الإشاعات.
بدأت باكراً رحلتي النقدية في الحزب، وبالتحديد منذ اليوم الذي اغتيل فيه مهدي عامل. قبل ذلك كانت أسئلتي ساذجة وكانت تطفئها أجوبة مجبولة بمهابة القيادي الذي يحملها. أما السؤال عمن اغتاله فقد حفزني للبحث بنفسي عن إجابة من خارج الكلام الأمني والقضائي والدبلوماسي. قررت التنقيب في السياسة. ما همني ليس إسم القاتل ولا تنظيمه، بل الدافع إلى الجريمة والسبيل إلى تفاديها. أول ما اكتشفته هو أن نهج الاغتيال الدموي قديم في التاريخ وسابق على الذبح بالقطنة، أي القتل بسلاح المال والاقتصاد، المناضلون والمجاهدون في الخندق الواحد، وأنظمة الاستبداد وميليشيات الحروب الأهلية يقترفون الجريمة بدم بارد ويكررونها ثم ينكرونها ويستنكرونها.
تهيبت من الاكتشاف. كان غامضاً في البداية. بدأت أتلمسه كمن يبحث في العتمة عن زر ضائع، ثم راحت صورته تتضح أمام ناظري يوماً بعد يوم. قلت في رثاء مهدي “إذا كنا يا حسن قد فقدنا بغيابك بعضاً من نكهة الصبر وشهية العناد، فلأن الكورس شرد عن اللحن، ولأن أفراد الجوقة تاهوا في ركام من عزف منفرد”. أتاني من قيادة الحزب ثناء على مضمون الكلمة وعتاب ولوم على خاتمتها.
تزامن اغتيال مهدي مع ظهور مؤشرات طفيفة على بداية الانهيار السوفياتي. تجرأت وصوبت في المؤتمر السادس الذي بدأ التحضير له قبل اتفاق الطائف، على الخطأ النظري والسياسي الذي استندنا إليه في كل وثائقنا الحزبية، وهو الخطأ القائل بأن هذا العصر هو عصر الانتقال إلى الاشتراكية، فيما الاشتراكية كانت في طريقها إلى السقوط. اكتشاف هذا الخطأ هو في أساس كل أفكاري النقدية اللاحقة. إذا لم نكن في عصر الانتقال إلى الاشتراكية ففي أي عصر نحن؟ البحث عن جواب على هذا السؤال هو بحث عن بديل فكري وسياسي في آن.
اصطفت في طريق البحث عن الجواب أسئلة كثيرة عن الاشتراكية والماركسية والشيوعية والرأسمالية والديمقراطية والنهضة والعمل الحزبي. وتزامن ذلك، على الصعيد الشخصي، مع دخولي عالم البحث الأكاديمي بانتقالي إلى التعليم الجامعي، حيث أضيف إلى فشل الانتقال إلى الاشتراكية سؤال النهضة الصعب، عن أسباب تقدم الغرب وتخلفنا. سؤال يمكن أن تكون صياغته الدقيقة، لماذا فشلنا في الدخول في حضارة الغرب؟
الماركسية أرشدتني إلى الجواب. أنا ابن بيئة فلاحية، من أبناء جيل الانتقال من الريف إلى المدينة، أي من الإقطاع إلى الرأسمالية. أخذت من التحقيب الماركسي للتاريخ هاتين الحقبتين فحسب لأنهما تعرضان أمام ناظري بإسهاب وتفصيل معاناة البشر في سعيهم إلى الحرية وفي بحثهم عن العدالة. اكتشفت أن ماركس عبقري زمانه وزماننا أيضاً، وأن السوفيات قرأوه بالنيابة عنا وأقنعونا بحتميات غير موجودة في العلم الماركسي ولا في فلسفة ماركس، من بين تلك الحتميات أن الصراع الطبقي في الرأسمالية سينتهي بانتصار البروليتاريا، في حين انتهى ماركس في البيان الشيوعي إلى خلاصة أخرى يقول فيها إن الحرب، (وهو يقصد الصراع الطبقي) “كانت تنتهي دائماً إما بانقلاب ثوري يشمل المجتمع بأسره وإما بانهيار الطبقتين المتصارعتين معاً”. ففي الحرب بين الحر والعبد انتصر فريق ثالث هو الإقطاعي، وفي الحرب بين الإقطاعي والفلاح، انتصرت البرجوازية، فمن أين أتى يقين الأحزاب الشيوعية ومفكريها، ومنهم مهدي عامل، بانتصار الطبقة العاملة في حربها مع البرجوازية؟ رحت أبحث عن الجواب الصحيح عند غرامشي و”الكتلة التاريخية”.
خلال بحثي الأكاديمي مع طلابي عن عوائق النهضة، وجدت أنه لا نظرية سمير أمين عن التطور اللامتكافئ ولا نظرية مهدي عامل عن نمط الإنتاج الكولونيالي ولا نظرية الأحزاب الشيوعية عن التبعية، استطاعت أن تقدم تفسيراً مقنعاً، واكتشفت صحة ما قاله فالح عبد الجبار عن أن ماركس لم يول الجانب السياسي الاهتمام ذاته الذي أولاه للاقتصاد، وأنه ترك لشريكه إنكلز وضع كتاب عن “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، وترك لنا على ما يقول سمير أمين أن نستكمل الخلاصة الاقتصادية، السلعة صنم، بخلاصة سياسية موازية، السلطة صنم.
الجواب السياسي والجواب الأكاديمي التقيا على نقطة واحدة: الدولة هي الحل. من هناك بدأ مشواري البحثي والسياسي في موضوع الدولة. عام 1994 كان حافلاً في إدخال هذا الموضوع على جداول العمل، في اجتماعاتي الحزبية وكتاباتي الصحافية. محاضرة في المجلس الوطني بعنوان، أزمة الديمقراطية في مشروع الحريري وفي مشروع الحزب الشيوعي، نشر في جريدة النهار. كتابة وثيقة سياسية باسم قيادة الجنوب في الحزب الشيوعي عنوانها “في سبيل إعادة بناء الوطن والدولة”، تولت قيادة الحزب طباعتها ثم سحبتها من التداول. بحث مطول عن الأصوليات الماركسية والإسلامية في مجلة الطريق. ومقالات كثيرة تنطلق من مسلمة الخطر الميليشيوي على الدولة. جمعت المقالات لاحقاً في كتاب “اغتيال الدولة”، وجمعت الأبحاث الأكاديمية في كتاب “الأصوليات”، ثم استكملت في كل مؤلفاتي، “الشيعية السياسية”، “هل الربيع العربي ثورة؟”، “أحزاب الله”، “في نقد الحرب الأهلية”، وآخرها كتاب “نهاية حزب الله وسائر الأصوليات”
من هو الماركسي؟
موضوع الدولة طرح أسئلة سياسية وأخرى نظرية كثيرة تبدأ من “من هو الماركسي ومن هو اليساري؟” ولا تنتهي بالبديل اليساري كأطر تنظيمية أو خصوصاً كبرامج نضالية (اليسار الديمقراطي لم يعمر طويلاً بسبب غياب البرنامج). في كتابي الصادر عام 2020 وحمل عنوان “أحزاب الله”، قلت إن التحويم في فضاء الفكر الماركسي لا يمنحني حق تصنيف نفسي منتمياً انتماءً قطعياً إلى هذا الفكر، مع أنني غرفت من معين أساتذة كبار من أمثال سمير أمين ومهدي عامل وحسين مروة والطيب تيزيني، غير أنني مدين في بعض ما أعرفه عن الماركسية إلى مفكرين لم يدّعوا الانتماء إلى هذه المدرسة الفكرية، من أمثال محمد عابد الجابري، كما إلى نصوص من خارج حقل السياسة تمحورت حول قضايا الفن والشعر والأدب، كان أولها كتاب «الفن والمجتمع عبر التاريخ» للألماني أرنولد هاوزر.
قولي هذا نابع من الاعتقاد بأن التصريح بالانتماء إلى منظومة فكرية معينة لا يكفي لتأكيد صحة هذا الانتماء، ولا سيما بعد اطلاعي على نصين رائعين، الأول كتاب لمهدي عامل نشرته دار الفارابي بعد اغتياله، عنوانه، في نقد الفكر اليومي، حاول فيه أن يثبت كيف أن بعض العلمانيين «يمارسون» التفكير الديني فيما هم يزعمون انتماءهم إلى العلمانية، وكيف أن آخرين «يمارسون» التفكير الغيبي فيما هم يزعمون انتماءهم إلى الماركسية.
النص الثاني فصل من كتاب لحسن قبيسي، المتن والهامش (المركز الثقافي العربي، 1997) من المفيد أن نورد منه مقطعاً من جوابه المسهب على سؤال: لماذا غادرت الماركسية؟ يقول في خاتمته. “إن كثيراً من الموبقات، على صعيد الفكر والسلطات، تبرَّر باسم النظرية الماركسية والحزب الماركسي والحكم الماركسي، مما يحدو بالعاقل إلى التهيب والتحفظ وأحياناً إلى النفور».
في آخر مؤتمر للحزب الشيوعي اللبناني شاركت فيه، وكانت الأزمة قد تفاعلت في داخله وأنذرت بما لم تحمد عقباه، قلت في كلمتي أيها الشيوعيون :
“احذروا من تبشير الشيوعيين بأنهم ماركسيون، وإن فعلتم فإنكم تجعلونهم ينامون على حرير الجهل. لا تطمئنوهم إلى ماركسيتهم، دعوهم يقلقون عليها، حتى يدفعهم القلق إلى نبش ما في نفوسهم من قيم ومبادئ تشبه ماركس.
دعوهم يبتكرون نسخا خلاقة من ماركس، ويكتشفون بأنفسهم أن ماركس المكتمل مات، وأن قيمه لم تمت، وأن صورته الأولى ليست سوى منارة تهدينا إلى آلاف النسخ المبتكرة التي تجددها الحياة كل يوم، وأن ماركس نفسه هو ملهم هذا التجدد. دعوهم يرددون مع ناظم حكمت: أجمل طفل في العالم طفل لم يولد بعد. أجمل نهر في العالم نهر لم يتدفق بعد.
دعوهم يكتشفون بأنفسهم أن ما قرأناه عن ماركس لم يجسد لنا ماركس الحقيقي بأحلامه الجميلة وقيمه النبيلة وعلمه الوفير وخياله الخلاق، وادعوهم إلى إعادة قراءة ماركس واتركوا لهم حينئذ أن يختاروا بأنفسهم الصفة المناسبة، وأن يقولوا وحدهم، من دون أن نملي عليهم، ما إذا كانوا ماركسيين أم لم يكونوا.
إذاك فحسب لا يدخل المثقفون إلى رحاب الحزب بصفتهم خونة لطبقاتهم، حيث لا تكفي أطنان من النضال لتبييض صفحاتهم، ولتحويلهم من خونة إلى مناضلين. إذاك فحسب يدخل الشيوعيون إلى الحزب باعتبار كل واحد منهم مشروع مثقف.”
خلاصة
الماركسية منهج وعلم واستشراف. هي منهج في التفكير والبحث، أهم مرتكزاته النقد؛ وهي علم في حقلين، حقل التاريخ وقوانينه، من أهمها الصراع الطبقي وعلاقة البنية الفوقية بالبنية التحتية، وحقل الاقتصاد ولم يتجاوز أحد ما كتبه عن آليات الرأسمالية.
على الصعيد الشخصي، أعترف أنني قرأت عن ماركس أكثر مما قرأت له، فصرت، من غير أن أطلع على مؤلفاته، أعرف عن منهجه ما افترضته كافياً لإيصالي إلى استنتاجات عدها البعض مغامرة، منها أننا ناضلنا قرناً من الزمن ضد استعمار حشرته في برامجنا حاجة الخطاب السوفياتي إلى مواجهة الأمبريالية؛ ومنها تصنيف الانقلابات العسكرية حالات ثورية مع أنها كلها كانت ضد مسار التحول التاريخي نحو الدولة الديمقراطية، بنت الحضارة الرأسمالية، كمرحلة لا بد منها قبل اضمحلالها (وليس القضاء عليها) والانتقال بعدها إلى الاشتراكية؛ ومنها تشويه فكرة الدولة والخلط بينها وبين السلطة؛ ومنها أن التحرر الوطني والكفاح المسلح مهمتان فات أوانهما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته؛ ومنها أنني تجرأت على مساجلة استاذي مهدي عامل في موضوع الطائفية؛ ومنها انحيازي إلى فكرة الفيلسوف الفرنسي، أستاذ مهدي عامل القائلة بأن أوهامنا وإيديولوجياتنا المحسوبة على البنية الفوقية تتغلب أحياناً على مصالحنا المادية والاقتصادية المحسوبة على البنية التحتية؛ ومنها أنني أكتشفت باكراً الأصولية التي وقع فيها الشيوعيون فجعلتهم يشاركون سائر الأصوليين أزماتهم ومصائرهم، وهذه كلها جرأتني على الكتابة عن النهايات الحزينة التي تنتظرهم، نهاية اليسار القديم ونهاية الإسلام السياسي ونهاية التحرر الوطني.
تلامذة ماركس ومريدوه وأتباعه الناجحون هم من استفادوا من منهجه، وعلى هؤلاء بالتحديد تقع مهمة نقد التجربة، من أجل إعادة الاعتبار لفكرة الاشتراكية حتى لا تظل في الأدبيات الماركسية فكرة شاعرية قزمها الشيوعيون حين ضاقت في ممارستهم حتى حدود التعصب الحزبي والتطرف والأصولية، ومن أجل استكمال ماركس في المجال السياسي، بحسب اقتراح سمير أمين، (السلعة صنم، السلطة صنم)، ومن أجل استشراف المستقبل على ضوء ابتكارات العقل البشري. ومن أسف أن تكون التجربة الرأسمالية قد تفوقت في هذا المجال على التجربة الشيوعية في فهم علم الاقتصاد الماركسي.
سيظل اليسار حاجة للأوطان، وسيظل ماركس حاجة لليسار. وستظل مهمة اليساري في لبنان وفي كل بلد عربي، حتى في فلسطين، هي النضال، من الآن حتى إشعار آخر، تحت راية مشروع الدولة، في سبيل قيام دولة القانون والمؤسسات، دولة الحريات والديمقراطية وتداول السلطة، دولة الكفاءة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية. كل ذلك لتحصين أوطاننا ضد مخاطر الاستبداد والحروب الأهلية والعدوان الخارجي.
مقالات ذات صلة
ذاكرة العرب الحزينة
عروبة لبنان في مذكرات وليد جنبلاط(4)
قراءة في مذكرات وليد جنبلاط (5) التجديد والتغيير