1 ديسمبر، 2022

الثورة وأزمة اليسار اللبناني 1

5 نوار 2020

https://www.nidaalwatan.com/article/20254

كأن الشاعر محمد الماغوط نطق باسم اليسار، كل أنواع اليسار، حين تحدث عن الثورة قائلاً: “مذ كانت رائحة الخبز شهية كالورد… كرائحة الأوطان على ثياب المسافرين… وانا بانتظار الثورة التي يبست قدماي بانتظارها. من أجلها أحصي أسناني كالصيرفي، أداعبها كالعازف قبل فتح الستار…”

على امتداد قرن من الزمن ارتبط اسم الثورة بالشيوعيين. ما من انتفاضة أو انقلاب عسكري أو حتى تظاهرة إلا وكان الشيوعيون في مقدمة الصفوف. إلا مع الربيع العربي وثوراته. ارتبكوا. قال قيادي في الحزب الشيوعي السوري، الشيوعيون في القواعد مع الثورة والقيادة ضدها. هذا هو سبب الارتباك. جيل الشباب نهل أفكار الثورة نقية نقاء سيرة غيفارا، وحازمة كحتميات المؤسسين، وصلبة كصلابة المناضلين الأوائل. أما الجيل الذي عقد مساومات مع أنظمة “حركة التحرر الوطني” وتحالف معها وانخرط في جبهاتها الوطنية، فقد تشوشت أفكاره بعد أن خضعت لتجاذبات الصراع بين المصلحة الوطنية ومصالح السوفيات.

الحزب الشيوعي اللبناني، في مؤتمره السادس المنعقد بعد اتفاق الطائف، قرأ التجربة بعين نقدية، وأدان الحرب الأهلية، لكن جرأته في المراجعة اهتزت أمام الاختيار بين “التحرر الوطني” و”الوحدة الوطنية”، لأن لكل منهما تحالفاته وبرنامجه النضالي. في التحرر الوطني العدو خارجي والإجماع مفقود لأن لكل فريق عدواً ولكل فريق مقاومة، أما الوحدة الوطنية فتحتاج إلى إجماع. وهكذا يصير الخيار إما وحدة وطنية إما حرباً أهلية. هذه حقيقة أثبتتها أحداث الربيع العربي، إذ إن الأنظمة والأحزاب “التقدمية” كانت وحدها مسرحاً للحروب الأهلية، من الجزائر وليبيا ومصر والسودان إلى اليمن والعراق، إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت بتمويل عربي وشاركت سوريا كطرف محلي فيها حتى احترقت هي بنارها.

إنطلقت الثورة اللبنانية وانخرط فيها جيل الشباب من الشيوعيين الذين يعود لهم الفضل في إعطائها طابعاً وطنياً، فمن دونهم ما كان لها ممر إلى المناطق التي تسيطر عليها الشيعية السياسية. ترافقت مشاركة القواعد الحزبية بعفوية، بثورة “طال انتظارها” مع مباركة قيادية، لكن مباركة مبنية على برنامج آخر غير برنامج الثورة، مما جعلها مشاركة جسدية فحسب أبلوا فيها البلاء الحسن في التصدي للثورة المضادة، ولا سيما في كفررمان، فيما القيادة متمسكة بشعارات تصب في خانة الثورة المضادة.

الثورة حددت أهدافها بوضوح: حكومة انتقالية تمهد لانتخابات نيابية على أساس قانون جديد، وتحرير القضاء من تسلط السياسيين ومحاسبة المسؤولين عن الفساد واستعادة الأموال المنهوبة. كل ذلك تحت سقف الدستور وبوسائل التعبير السلمي. الثورة المضادة اعتمدت التضليل للتغطية على المسؤول الحقيقي، فبعثت بمندسين للقيام بأعمال التخريب، أو للاعتداء على الثوار السلميين، ومعظمهم طلاب جامعات، وحاولت تصوير الثورة كأنها من فعل عملاء للخارج المعادي لسوريا وإيران، أو للداخل من خصوم العهد القوي، ونجحت في العزف على وتر الصراع الطبقي وعلى أولية العوامل الاقتصادية، أي البنية التحتية بحسب المصطلح الماركسي، فحولت الأزمة من أزمة طبقة سياسية فاسدة إلى أزمة مالية نقدية بطلها النظام المصرفي.

مأزق اليسار أنه يطالب بإسقاط حكم المصرف وكأن الاشتراكية على الأبواب. لو كان الأمر كذلك لقلنا من غير تردد أن الثورة هي في مأزق وليس اليسار.

كأن الشاعر محمد الماغوط نطق باسم اليسار، كل أنواع اليسار، حين تحدث عن الثورة قائلاً: “مذ كانت رائحة الخبز شهية كالورد… كرائحة الأوطان على ثياب المسافرين… وانا بانتظار الثورة التي يبست قدماي بانتظارها. من أجلها أحصي أسناني كالصيرفي، أداعبها كالعازف قبل فتح الستار…”

الثورة وأزمة اليسار اللبناني (2)

6 نوار 2020

https://www.nidaalwatan.com/article/20365

يبدو اليسار كأنه يناضل في سبيل الاشتراكية، مع أنه متيقن بأن صيغتها المحققة انهارت، وبأن إعادة الاعتبار للفكرة وللمشروع تتطلب من الوقت والجهد ما لا يستطيع اليسار اللبناني بمفرده توفيره. فهل يكفي التفسير الاقتصادي وحده لتبرير موقف اليسار من المصارف؟ لنفترض أن المصارف مسؤولة عن الانهيار المالي وعن إفلاس الدولة اللبنانية، فما الحل في نظر اليسار الذي يطالب بـ”إسقاط حكم المصرف”؟ هل هو الحل المنشود قبل الحرب الأهلية المستنبط من مقولة الطغمة المالية ورأس المال المالي. غير أن كل مكونات الثورة أجمعت على أن نهب القيمة الزائدة، بحسب المصطلح الماركسي، في البنوك والمؤسسات الاستثمارية، ليس هو المسؤول عن الانهيار الحاد المالي والنقدي والاقتصادي، بل السلطة السياسية التي أدارت شؤون البلاد بعقلية ميليشيوية. إذاً ينبغي البحث عما هو أبعد من التفسير الاقتصادي.

قبل المؤتمر السادس كانت الاشتراكية هي قضية الحزب الشيوعي المركزية والعمود الفقري في برنامجه وفي خطته التنفيذية لحل جميع المعضلات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، بما في ذلك القضية الفلسطينية. المراجعة النقدية تزامنت مع انهيار التجربة الاشتراكية، ما استوجب تعديلاً جعل قضية الحزب مركبة من قضايا عدة، مع إضافة نوعية تمثلت بمقاومة الاحتلال. لكن المراجعة النقدية انعكست سلباً على دور الحزب في المقاومة الوطنية لأن برنامجه للانقاذ الوطني ركز على “المصالحة الوطنية” مع خصوم الأمس في الحرب الأهلية، وهو ما بدا متعارضاً مع رغبة نظام الوصاية في جعل المقاومة ورقة لتحسين شروط التسوية لا لتحرير الأرض، أسوة بسواها من الأراضي السورية المحتلة في الجولان. في التسعينات، التجربة الاشتراكية انهارت. المصالحة الوطنية في لبنان ممنوعة. الديموقراطية اللبنانية محاصرة بنظام مخابراتي. تدمير مؤسسات الدولة على قدم وساق. نهب الأموال الخاصة والعامة وفرض الخوات على المتمولين وعلى المؤسسات المالية انعكس بانهيار بنك المدينة. النظام القديم الذي كان الحزب يناضل في ظله انتهى. لم يبق من مكونات القضية لديه سوى بطولات مقاوميه، فحاول أن يجعل منها قضيته المركزية، إلا أن القرار كان واضحاً بالتضييق عليه وعلى عمل مقاومته ومحاصرتها تسليحاً وتمويلاً، ومعاقبة المقاومين عند اختراقهم خطوط المواجهة، باعتقالهم أو باغتيالهم، حتى بات الحزب بلا قضية جامعة وبرنامجه بلا عمود فقري.

في ظل غياب القضية الجامعة، استمر الحزب حاضراً في العمل النقابي، في قطاع التعليم، وفي نقابتي المهندسين والأطباء والاتحاد العمالي العام، وذلك لأن الشيوعيين صاغوا في كل واحد من هذه القطاعات قضية وتحلقوا حولها، غير أن غياب القضية المركزية جعلهم يفقدون مواقعهم النقابية واحداً تلو الآخر. لم تجد القيادة غير التمسك بشعار المقاومة، بعد أن صودرت منها بالقوة والعنف، وبعد أن تم توظيفها من قبل جبهة الممانعة في مواجهة الثورة.

فكيف لا يرتبك حزب ينخرط في الثورة بصدق ويتبنى برنامج الثورة المضادة؟

أزمة اليسار اللبناني مع الثورة (3)

9 نوار 2020

https://www.nidaalwatan.com/article/20583

الوجه الأول من أزمة العلاقة بالثورة يتمثل في كون اليسار يناضل تحت شعارات اشتراكية فيما الثورة تطالب بالدولة الدستورية، أي دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص وتداول السلطة. ويتمثل الوجه الثاني في كونه يناضل دفاعاً عن قضايا سواه بعد أن ضاعت منه القضية المركزية. وهناك وجه ثالث، وهو الأخطر، يتمثل بالموقف من الدولة.

الكلاسيكيات الماركسية، يقول فالح عبد الجبار، خلو من أي كلام مفيد عن الدولة. وهو يقصد الدولة الدستورية التي يناضل ثوار الربيع العربي تحت رايتها. غير أن الأدبيات السياسية اليسارية ملأى بمصطلحات مثل سلطة الطبقة العاملة ودولة البروليتاريا والثورة على البرجوازية. فضلاً عن ذلك، بدل أن يلتزم “الحزب الشيوعي” بالمراجعة الشجاعة التي أعادت النظر بكثير من المفاهيم، وبالأخص مفهوم الثورة، وقفت القيادة في وجه من اعتبرته مسؤولاً عن التجديد في الحزب ودفعته إلى الاستقالة، واعترضت على أي منحى أو اقتراح من شأنه ترجيح الديموقراطية على دكتاتورية البروليتاريا.

دولة الثورة اللبنانية ليست هي ذاتها دولة اليسار الشيوعي. الثورة تريد الانتقال من الدولة البوليسية، دولة الميليشيات والمافيا والفساد إلى دولة تحكمها القوانين، وأغلب الظن أن الجيل الجديد من اليساريين انخرط في صفوف الثورة متبنياً برنامجها السلمي الديموقراطي الوطني، وكان التزامه كاملاً بمشاركة الثوار رفع العلم الوطني اللبناني وحده وإخفاء كل مظاهر الفئوية والشرذمة. غير أن الخطاب اليساري القيادي لم يغب عن الساحات، داعياً إلى مواجهة الصهيونية والإمبريالية والاستعمار، ملتقياً، ربما عن غير قصد، مع قوى الممانعة ذاتها التي تستظل بها سلطة الفساد والإفساد، مشاركاً إياها التظاهر في محيط السفارة الأميركية أو الهجوم على واجهات المصارف.

الخطير في كل هذا أن بعضاً من المندسين يخططون للهجوم على المصارف بقصد التخريب وتكسير الواجهات وإحراق المباني ثم ينسحبون ويتركون اليسار وحده، لتحميله، حتى في حال غيابه، وزر استخدام العنف بدليل وبغير دليل، فقط لأن المصطلحات الخاصة بالعنف والثورة والدم واللون الأحمر ومشتقاتها، محسوبة حصراً عليه منذ ثورة اكتوبر/تشرين الأول السوفياتية، مع أن العنف الذي مارسته الأصوليات الدينية وأنظمة الاستبداد تجاوز عنفه بأشواط، ولم تسقط التهمة عنه بمرور الزمن ولا لطفت منها تحولات حصلت من غير عنف ضد الأنظمة الشيوعية.

ماذا يريد اليسار من الثورة؟ بديلاً من سلطة المافيا الحاكمة في لبنان، ثلاثة خيارات واضحة ومحدودة. إما دولة دستورية تحكمها القوانين، أو دولة شمولية على نمط النظام السوري أو دولة ولاية الفقيه. على جوابه يتوقف حل الأزمة. هل يريد بناء دولة اشتراكية، أم الانخراط في “الجبهة الوطنية ” أم المشاركة في الاستعدادات لعودة المهدي؟

خيار وحيد أمام اليسار لحل أزمة علاقته بالثورة: الانخراط في صفوفها، تحت شعار الشعب يريد تطبيق النظام، لأن الدستور موجود والتعديلات الضرورية عليه لا تستوجب إسقاط النظام. وإلا فهو متهم باللعب على الحبلين، ولم يعد معه متسع من الوقت. أما مواجهة “العنف الرجعي” فليس أمراً يستحضر من بطون الكراسات اللينينية أو قراراً تتخذه جهة ما منفردة في الغرف السوداء للأجهزة والمخابرات الحزبية.