9 ديسمبر، 2022

الفدراليون والدولة

31 تموز 2021

https://www.nidaalwatan.com/article/54056

حصلت على نسخة من مشروع الدستور الفدرالي بعد اسبوعين على صدوره. الصفحة الأولى يتصدرها لوغو دائري الشكل بأقواس متداخلة كتب عليها باللغات الحية والقديمة عنوان، الجمهورية اللبنانية الفدرالية، ومذيّلة بإحالة النسخة إلى غبطة مار بشارة بطرس الراعي بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للموارنة، حاملة توقيع أياد البستاني باسم الحزب الفدرالي اللبناني.

نص الدستور مكتوب باللغات الثلاث العربية والفرنسية والإنكليزية، ومرفق بخرائط للكانتونات، ملونة بالأحمر للشيعة والأزرق للمسيحيين والأخضر للسنة والأصفر للدروز. على الصفحة التي تسبق الخرائط تمهيد مقتبس بنصه الحرفي من الدستور السويسري ينص على الآتي: “باسم الله القدير، يقرر الشعب السويسري والكانتونات السويسرية، بمقتضى مسؤولياتهم تجاه الخليقة…” وبعد الخرائط نص يمتد على مئة وثلاثين صفحة، ومئة وثلاث وثلاثين مادة.

أعترف أنني اكتفيت بتقليب الصفحات الأولى منه، قبل أن أرسله إلى الصحافة لتتدبر أمر الاهتمام به نقداً أو ترويجاً، لكنني تابعت ردود الفعل عليه خصوصاً النقد الشفوي والمكتوب لكل من النقيب رشيد درباس والدكتور حارث سليمان، ولن أكرر ما قاله كل منهما بل سأكمله متناولاً قضية واحدة تتعلق بالمبررات أو الحيثيات التي أملت على واضعيه الانقلاب على ميشال شيحا وسايكس بيكو والبطرك حويك وعلى الدستور اللبناني.

سبق أن طرحت الفدرلة في بداية الحرب اللبنانية، يوم بدا للمارونية السياسية أن الإسلام السياسي مضى بعيداً في تأييده الوجود المسلح الفلسطيني ولو على حساب السيادة الوطنية، وأن ذلك يعني من بين ما يعنيه وجود نمطين من التفكير في القضايا الوطنية والقومية، ونمطين من الثقافة، وصولاً إلى القول بوجود حضارتين وفسطاطين، بحسب التعابير المستخدمة في أكثر من بيان صادر عن قوى 14 آذار.

على جانبي خطوط التماس بين الحضارتين والثقافتين والفسطاطين معيار واحد مقتبس لا عن تجارب الفدراليات في العالم بل عن تجارب أنظمة قروسطية أكل دهر الحضارة الرأسمالية عليها وشرب. عدم قبول الآخر المختلف هو المعيار الذي بنت عليه القوى الوطنية شعار عزل الكتائب، وهو نفسه الذي بنى عليه حزب الكتائب شعار لبنان للبنانيين أحبه أو غادره، والشعاران موجهان لأبناء الوطن من أصحاب الرأي المختلف.

استقر عدم قبول الآخر على خيارات متنوعة أبسطها اللامركزية الموسعة، وهو ما ورد في التعديلات الدستورية المقرة في اتفاق الطائف، وأكثرها تعقيداً وصعوبة التقسيم، وبينهما الفدرالية والكونفدرالية.

ما سها عنه مشرعو الفدرلة هو أن الآخر المختلف لا يتحدد بالانتماء الديني أو القومي أو العرقي، بل قد تكون أكثر الاختلافات حدة تلك الناشئة من الصراع على السلطة، وفي تجربة الحرب الأهلية من الأدلة ما يكفي لإقناع الفدراليين بأن مشروعهم لا يشكل حلاً للمعضلة اللبنانية. حروب أهل الخندق الواحد كانت أكثر وحشية من سواها، معركة الصفرا ومجزرة إهدن وحرب القوات وعون وحرب العلمين وحرب “الشيعة والمتاولة”، ومن خارج الحدود النزاع الفلسطيني السوري والسوري العراقي والعراقي الإيراني، ناهيك عن استعصاء الأزمتين الأفغانية أو الصومالية.

ظاهرة الآخر المختلف ليست حكراً على لبنان بل هي موجودة في كل بلدان العالم، وهي ليست ذات منشأ ديني أو طائفي فحسب بل هي صيغة من التنوع والتعدد مرفوضة في أنظمة الاستبداد الديني أو السياسي، وحل هذه المعضلة لا يتحقق إلا بترسيخ قيم الديموقراطية بصرف النظر عن الخرائط والمساحات والجغرافيا.

الفدراليون لا يبحثون عن حل بل يفاضلون بين استبداد ديني واستبداد سياسي، ويختارون الثاني من غير أن ينتبهوا إلى أن استبداد الأقرباء في الدين أو في السياسة، على ما قال الشاعر، “أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند”.