3 ديسمبر، 2022

الحزب الشيوعي يستعيد موقعه

25 آذار 2022

https://www.nidaalwatan.com/article/71003

بين أول انتخابات نيابية بعد الطائف والانتخابات اليوم نحن أمام حزب شيوعي جديد. موقفه الحالي جعلني أستحضر قولاً لأبي نواس، إذ يحق لي أن أغتبط مع أهل الثورة مرة لأنه انخرط معهم، “من قلبه وربه”، وأن أغتبط وحدي مرة أخرى، لأن ما سبق لي أن اقترحته على قيادة الحزب منذ ثلاثين عاماً، في الانتخابات الأولى بعد الطائف، وجافتني القيادة بسببه، أراه اليوم يتحقق فحق القول:

لي نشوتان وللندمان واحدة

شيء خصصت به من دونهم وحدي

في دورة 1992 سال لعاب القيادة على الدخول إلى البرلمان في “مهرجان” أشرف عليه نظام الوصاية وأعلنت فيه الأسماء من عنجر، وبدأت معه حفلات تعيين النواب في ظل النظام الأكثري، واستمر يسيل خمس دورات انتخابية، حتى مع أسوأ قوانين الانتخاب في التاريخ القديم والحديث، قانون 2018 الذي تسلح بالنسبية وزيّن نفسه بها بعد أن أفرغها من مضمونها.

في الحفلة الأولى زج الحزب نفسه في السباق إلى اللوائح المعلبة، ونظم اشتباكاً مغلوطاً مع غير خصومه، فاتخذ السباق في الدورة الأولى شكل تنافس غير ودي على تمثيل اليسار بين عضو من القيادة وآخر من خارجها، وتحوّل في الثانية إلى صراع مكشوف مع حبيب صادق الذي كان بشكل غير معلن، لكن غير سرّي أيضاً، بمثابة عضو في المكتب السياسي.

تعلمت القيادة من تجربة علاقتها بالنظام السوري دروساً بالمقلوب. فهي كانت تعلم علم اليقين أنه رفض تعيين أي شيوعي من بين العدد المضاف على ما ورد في اتفاق الطائف؛ وأنه أشرف على قهر “جمّول” والتضييق عليها؛ وأنه أعاد جيشه إلى العاصمة ليعاقب الحزب الشيوعي على تعاونه مع الحزب الاشتراكي في شن معركة ضد حركة أمل في شوارع بيروت؛ وقد حصلت سلسلة الاغتيالات التي طالت عشرات من الكوادر والقيادات الحزبية بعد قليل على دخوله.

مع ذلك ظلت “تدوزن” سلوكها بما يرضي الشقيقة ويعمق التحالف معها ومع أدواتها الأخرى. في دورة 2005 الانتخابية، بلغ هذا الموقف ذروته حين أعلن أحد القياديين في اجتماع اللجنة المركزية، وكانت تحمل اسم المجلس الوطني، بالنص الحرفي، “أن الثنائي الشيعي يواجه في الجنوب أعداءنا التاريخيين، الإمبريالية والصهيونية وعملاءهما، ما يملي علينا أن نكافئه بالتصويت للائحته، حتى لو لم يكن لنا مرشح في عدادها”. من يستغرب بإمكانه أن يراجع أرشيف المجلس الوطني ليتأكد.

هذا للأسف ما كرره مهدي عامل أيضاً، جواباً على سؤال الأستاذ الجامعي السوري أحمد برقاوي عما ستكون عليه علاقة الحزب بالثنائي بعد اغتيال حسين مروة؟ أجاب: ستتعمق علاقتنا بالثنائي لأنه يقف في خط المواجهة مع الإمبريالية والصهيونية. مهدي كان يقول ما تقوله القيادة. هذا الكلام موثق في كتابنا، أحزاب الله. بعد شهرين اغتيل مهدي.

تعلمت من مهدي أبجدية الانتماء الحزبي والانضباط والالتزام الفكري والسياسي، لكنني لم أوافق معه على نهج القيادة بشأن التحالفات بل اعترضت. وأشهد أنها تحملت اعتراضاتي ومشاكساتي على مدى عشرين عاماً، إلى أن ضاقت ذرعاً بحق الاختلاف وحولت الحوار الداخلي إلى تراشق في وسائل الإعلام، ولا سيما حين بلغ انخراطها في جبهة الممانعة حد الاستخفاف باستشهاد جورج حاوي كما لو أنه أحد ضحايا حوادث السير، لا كواحد من صانعي مجد الحزب وأحد الموقعين على بيان جمول. أدنت موقفها في مرثية نشرتها بعد اغتيال مهدي وكان جورج ما يزال أميناً عاماً، وفي مرثية أخرى بعد اغتيال جورج.

بعد ثلاثين عاماً على موقفه الخاطئ من الانتخابات ومن التحالفات، ها هو الحزب يستعيد موقعه في قلب المعارضة الشعبية للمنظومة الحاكمة ويشكل علامة فارقة مع آخرين على رأسهم الدكتور أسامة سعد وسائر النواب المستقيلين والشخصيات السياسية التي افترقت عن نهج التدمير المنهجي للدولة والوطن. إضافة إلى مجموعات وأحزاب وقوى كثيرة شاركت في الثورة أو تسلقت عليها وبلغ تعدادها المئات.

نزول اليسار الشيوعي إلى الساحة سيظهر الأحجام الحقيقية ويميز بين الغث والثمين منها، وربما ستؤكد نتائج الانتخابات، إن حصلت، أن ما يحلو له أن يسميه انتفاضة هو الثورة بعينها التي ستعيد بناء السلطة والدولة والوطن.