24 يوليو، 2024

من شارل دباس إلى ميشال عون المنهج الطائفي كابوس المؤرخين

15 آذار 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/154236

كيف يمكن للمؤرخ أن يحلل انتخاب ميشال عون أو ترشيح سليمان فرنجية تحليلاً طائفياً؟ فاز الأول بقوة تهديد شيعية، إما عون إما على الرئاسة السلام، وبالقوة ذاتها ترشح الثاني. وكيف يفسر تفسيراً طائفياً الاعتراض المسيحي على الشهابية الذي أتى بسليمان فرنجية الجد رئيساً وعلى بعد خمسين عاماً اعتراض مسيحي أيضاً على ترشيح فرنجية الحفيد. أين الصراع الطائفي من هذا كله؟

إلى متى سيتعلم طلاب لبنان أنّ الانتقال من حضارة إلى أخرى تختصره حكاية شجار بين طفلين، درزي ومسيحي، على لعبة الأكر(الكلة)؟ أو أنّ سبب الحرب الأهلية هو حادثة البوسطة؟ الشجار والبوسطة ليسا سوى صاعق التفجير، والاحتقان السياسي هو أصل الحكاية وفصلها، وهو احتقان لا يجد تفسيره في صراعات طائفية أو مذهبية بل في مخاض التخلص من أنظمة الاستبداد والصراع على السلطة.

إصدارات كثيرة العدد قرأت تاريخ لبنان بعيون غير محايدة، فينيقية وكنعانية وأموية وقومية ودينية وطائفية وطبقية وحزبية وفئوية، آخرها كتاب «عهود رئاسية من شارل دباس إلى ميشال عون» لمؤلفه كمال ديب، رحت لأستمع إلى ندوة عنه في الحركة الثقافية – انطلياس لم يتطرق فيها المحاضران إلى الكتاب بل قدم كل منهما قراءة شخصية مجتزأة ومنحازة لبعض التاريخ اللبناني.

مؤلف ضخم يقارب الألف صفحة تتصدر غلافه صور خمسة عشر رئيساً تعاقبوا على حكم الجمهورية منذ إعلان الدستور عام 1926 في عهد شارل دباس حتى «تعليقه»، من دون إعلان الأحكام العرفية بشكل صريح، في عهد ميشال عون.

يزعم الكاتب أنه يعتمد، بحسب ما ورد على صفحة الغلاف «منهجاً جديداً في كتابة تاريخ لبنان، انطلاقاً من مفاهيم متقدمة ربما لم يقاربها غيره من المؤرخين، أولها أن المناطق المضمومة، أي لبنان الطرفي، عكار والجنوب والبقاع، هي عصب تاريخ لبنان». تبريراً لهذا المنهج، اقتصرت المقدمة، خلافاً لكل الأصول البحثية الأكاديمية، على كلام عن منطقة عكار وأهميتها.

لا يعتمد الكتاب معياراً محدداً لتصنيف العهود بحسب الأهمية. تارة معياره تنموي وأخرى طائفي وطوراً علماني وأحياناً تتراكم المعلومات والأحداث من غير رابط. خصص لعهد بشارة الخوري مئة صفحة ولعهد كميل شمعون سبعين ولعهد الرئيس بشير الجميل الذي اغتيل قبل أن يتولى الحكم أربعين صفحة واكتفى لعهد فؤاد شهاب بعشرين.

تظنه في الصفحات الأولى سوري الهوى، وهو صاحب مؤلف آخر ضخم أيضاً من ثمانماية صفحة، عنوانه «تاريخ سوريا المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011»، لتكتشف في الصفحات الأخيرة أنه ينظر بعين الإعجاب إلى الرئيس عون ويخصه بمقابلة أجراها معه في باريس، كان من الأفضل إدراجها مع كثير سواها في الملاحق لا في المتن.

راكم الكاتب معلومات ومعطيات ووقائع غزيرة غير قابلة للتوظيف في خدمة مشروع سياسي للمستقبل، فبدت المراكمة تعويضاً عن غياب المنهج. وإذا كان لا بد من التنقيب في الصفحات الألف عما يمكن أن يسمى منهجاً أو خلفية فكرية فيمكن القول إن الكاتب، بحكم نشأته ومسار حياته، تربى على خليط من الأفكار القومية والطائفية في بلده الأم وعلى العلمانية في كندا حيث يعمل ويكتب ويعيش، وما هواه السوري وانحيازه إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي وإعجابه بالعماد ميشال عون إلا التعبير الصادق عن تبنيه علمانية محلية لا تمت بصلة إلى العلمانية الفرنسية أو الكندية أو الرأسمالية. فهي إذ تفتقر إلى شرطها التكويني الأساس أي الديمقراطية، تبدو بنت الاستبداد المتأصل في أنظمة الأمة وأحزابها.