15 يونيو، 2024

في نقد 13 نيسان (17)رجال الدين

5 تموز 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/186275

لا أكون منصفاً إن جعلتهم سواسية، ولا منصفاً إن رجحت دور المؤسسة الدينية وأغفلت ما عند الأفراد من مميزات ومزايا أو مثالب. ذلك أنّ رجال الدين بشر، متنوعون جينياً وثقافياً وأخلاقياً، ولا تستطيع المؤسسة، مهما برعت، أن تصهرهم وتعيد إنتاجهم فتزيل ما بينهم من فروقات تكوينية.

تمايز بين الأفراد، وكذلك بين المؤسسات. الكنيسة كانت تملك سلطة تطويب الحاكم إن لم تكن هي صاحبة السلطة الفعلية. كانت تدير شؤون الدولة بطريقة مباشرة أو من خلف الستار. أما رجال الدين لدى الطوائف الإسلامية فلا يخضعون لأي انتظام، وإن انتظموا فهم، على العموم، طوع بنان الحاكم وسلاحه لتطويع العامة من المؤمنين.

في لبنان يتضاعف التمايز بين الأفراد كما بين المؤسسات. قبل الاستقلال كانت الكنيسة المارونية هي الدولة في ظل أوضاع خاصة بالجبل منذ أيام نظام الملل العثماني. يصفها الباحث فردريك معتوق بأنّها كانت، آنذاك، بمثابة دولة قادرة على حماية رعاياها من بؤس أغرقهم فيه استبداد السلطنة والمجاعة وأسراب جراد أكلت الأخضر واليابس.

البيوتات الدينية والمرجعيات الفقهية كانت البديل الإسلامي عن الكنيسة عند المسيحيين. عبدالله العلايلي، محسن الأمين، عبد الحسين شرف الدين، محمد جواد مغنية، حسن خالد، صبحي الصالح، وغيرهم، ظلوا يوالون الحاكم أو ينازعونه السلطة حتى انفجرت الحرب الأهلية وتطايرت معها سقوف تلك البيوتات لتتكاثر كالفطر عمائم من خريجي حوزات محو الأمية الدينية، وتنافسها حتى صارت إزاءها كالميليشيات إزاء الدولة.

صراع الكنيسة مع السلطنة هو، في جانب منه، صراع على السلطة السياسية أيضاً لا على السلطة الثقافية والروحية فحسب. انعكس ارتباك القوى الإسلامية الدينية والمدنية حياله ارتباكاً حيال الموقف من الاستقلال. مع 13 نيسان تحررت القوى الدينية من أثقال العقود الثلاثة من عمر الاستقلال حتى بات الانخراط في الميليشيات بمثابة واجب ديني تمليه مصلحة المسيحيين ضد «الخوف» ومصلحة المسلمين ضد «الغبن». حتى الكنيسة التي كانت ترمي الحرم على من يخرج عن طاعتها أباحت تحويل التشدد إلى تعصب مذهبي وترجمته على المتاريس.

علاوة على ذلك حررت الحرب المؤسسة الدينية إسلامية ومسيحية من الروادع فجعلتها تنعم بمزيد من الاستقلالية المالية والإعلامية وبات بعض النافذين فيها أو الناشطين تحت خيمتها ينسقون جهاراً نهاراً مع قادة الميليشيات ويشاركونهم الأعمال التجارية حتى في الممنوعات والمال الحرام والتهريب والتهرب الضريبي.

أخطر التبعات التي تسببت بها الحرب الأهلية هي أنها حررت رجال الدين ممن لا يخضعون لأية تراتبية هرمية، وعلى وجه خاص الشيعة منهم، من أية رقابة، وأتاحت لهم ولقادة الميليشيات أيضاً حرية التحريض الطائفي والمذهبي من مكبرات الصوت في الحسينيات كوسائل إعلام مبتكرة.

أساء رجال الدين للعلمانية حين جعلها المسلمون منهم مرادفاً للكفر وميز المسيحيون منهم بين صيغة متطرفة منها وأخرى معتدلة، وترجموا الاعتراض والتحفظ مناكفة بين الفريقين للتملص من أحكام القوانين العلمانية، بل لانتهاكها، مستندين في ذلك إلى تناقض النصوص الدستورية بين حقوق الإنسان الفرد وحقوق الجماعات الطائفية.

هذه الإساءات دفعت بعض العلمانيين إلى المطالبة بمنع رجال الدين من العمل في حقل السياسة. أخطاء متبادلة والضحية على الجانبين حقوق الإنسان الفرد. والصحيح أنّ ما ينبغي حظره عليهم في الدستور وفي الواقع هو ممارسة السلطة من خلال مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة كما هي الحال في المحاكم المذهبية. احتكار الدولة للقضاء كاحتكارها استخدام السلاح. فالازدواجية تدفع دهماء الطوائف إلى التلاقي مع زعماء الطوائف على انتهاك سيادة الدولة. دولة القانون والمؤسسات هي الحل.