20 أبريل، 2024

الخيارات والأسئلة المغلوطة (1)مع قضية المثليين أم ضدها؟

26 آب 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/199350

عنوان هذه السلسلة مستلهم من محمد عابد الجابري ومهدي عامل. الأول رأى أنّ الاختيار بين التراث والمعاصرة أو بين الأصالة والحداثة أدى إلى السقوط في فخ الثنائيات المغلوطة وبالتالي في امتحان النهضة. الثاني رأى من غير الممكن تقديم إجابة صحيحة على سؤال مغلوط، ولذلك كان يعيد صياغة أسئلتنا قبل أن يجيب عليها.

هل انت مع قضية المثليين أم ضدها؟ هذا هو بالضبط السؤال المغلوط الذي طرحه نواب التغيير والجواب الغلط الذي تمثل في ردة فعل الوزير أو في مواقف بعض رجال الدين أو في الكتابات على وسائل التواصل.

هي ليست الظاهرة الوحيدة التي يراها البعض مخالفة للطبيعة.

وليست الأولى التي تم تشريعها في الدول الحديثة. قيل إنّ البغاء أول مهنة في التاريخ، لكنها لم تحظ بالتشريع إلا بعدما خضعت لقوانين سوق العمل والأجور والأرباح. الملفت أنّ الحضارة الرأسمالية ذاتها شرّعت هذه الظاهرة قبل التشريع للمساواة بين الجنسين، فلم تقرّ سويسرا مشاركة المرأة في الانتخابات إلا في الخمسينات من القرن العشرين، وفي التاريخ ذاته منعت الحكومة الفرنسية نشر كتاب الجنس الآخر للكاتبة سيمون دو بوفوار. كان تشريع ما تحرّمه القوانين الاجتماعية والدينية مستحيلاً قبل الرأسمالية.

في التراث الشعري العربي حيز كبير لأدب الغلمان لكن القيم الرأسمالية لم تشرع لهذه الظاهرة مثلما فعلت مع البغاء. في نصوص النثر العربي حكايات عن حياة القصور والجواري، على غرار ما ورد في ألف ليلة وليلة، حياة دعارة مشرعة لا بقانون وضعي لم يكن قد ولد بعد بل بقوانين اجتماعية تلبس لبوس الاستبداد.

القيصر الروسي كان يستعرض العشرات من أجمل نساء زمانه ويختار منهن امرأة ويأمر بقتل الأخريات حتى لا يتنعم بجمالهن أحد سواه. الإقطاعي في كل مكان في العالم، ما قبل الرأسمالية، كان لا يملك الأرض فحسب بل كل ما عليها ومن عليها أيضاً، ويرى من حقه، إذا شاء، أن تقضي العروس ليلتها الأولى معه على أن تبدأ حياتها الزوجية مع عريسها في الليلة الثانية.

جاءت الرأسمالية لتشذب الجانب الوحشي مما كان يعتبر قبل تلك المرحلة حقاً مكرساً بالملكية.

شروط التشريع لظاهرة المثليين ليست ناضجة بعد. قال قائد الجيش للسلطان ليس بالإمكان شن الهجوم لعشرة أسباب، أولها نقص الذخيرة.

هذا السبب يكفي فلا حاجة للتعداد، قال السلطان. معنى ذلك أنّ من غير الممكن سن القوانين واحترامها في دولة تنتهك فيها الميليشيات الدستور والقوانين؟ كيف يمكن لنهج ميليشيوي معاد بالتعريف لدولة من مواليد الحضارة الرأسمالية، وأخذ على عاتقه إعادة أم الشرائع إلى ما قبل شريعة الغاب.

الأولوية في الدولة الحديثة هي للقانون الوضعي على القانون الاجتماعي، فكيف يمكن التشريع في ظل غلبة قوانين القوى الطائفية والعشائر والمافيات و»أحزاب الله» (عنوان كتاب) وتوزيع سيادة الدولة، أي سيادة القانون، بالمحاصصة على أصحاب النفوذ من حملة السلاح؟

خطأ السؤال يكمن لا في كون القضية محقة أو غير محقة بل في توقيته. في طرحه قبل نضج ظرفها الثقافي وأولوية سيادة الدولة وقوانينها على تشبيحات لصوص المال العام وتجار المخدرات.

فضلاً عن أن التشريع هو محل نزاع فقهي فالسؤال الصحيح اليوم هو عن كيفية إعادة الاعتبار إلى الدستور والالتزام بأحكامه لانتخاب رئيس للجمهورية. ربما كان الاعتصام في المجلس النيابي خيراً من التشريع للمثلية.