1 مارس، 2024

الخيارات والأسئلة المغلوطة (٣) مع العلمنة أم ضدّها؟

2 أيلول 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/201024

إستوقفني ذات مرّة طلّابي في الجامعة يطلبون منّي التوقيع على عريضة تدعو إلى قيام دولة علمانية في لبنان. قلت لهم، قبل أن أوقّع أريد أن أسمع منكم ماذا تعني العلمانية؟ قال أحدهم هي فصل الدين عن الدولة، وقال آخر هي منع رجال الدين من التدخّل في السياسة، وقال ثالث هي دعوة الى عدم الاهتمام بشؤون الآخرة على حساب شؤون الدنيا فهي مشتقّة من كلمة العالم بفتح اللام، ولهذا تلفظ العبارة بفتح العين لا بكسرها حتى لا يقع التباس مع العلم بكسر العين.

سألتهم، هل سمعتم ما يقوله رجال الدين عنها؟ الكنيسة تميّز بين علمنة متطرّفة وعلمنة معتدلة، ومعمّمو التعصّب يقولون هي الإلحاد بعينه. ألم تشاهدوهم على الشاشات وتسمعوهم يحمّلونها مسؤولية الجرائم والمجازر المرتكبة بحق شعوب المنطقة ولا سيّما في الجمهوريات الوراثية؟ نظر كل من حوله كأنّه يبحث عن متعصّب إسلامي ليصبّ جام غضبه عليه!

كيف تريدونني أن أوقّع على بيان حول العلمانية إن لم يكن اتفاق على معنى المصطلح؟ يقول استاذنا مهدي عامل، قل لي ما مصطلحك أقل لك من أنت. فعلى علمانية أيّ منكم تريدونني أن أوقّع؟ على علمانية الشيوعي أو البعثي أو القومي، أم علمانية الملحدين أو العبثيين أو الدهريين، أم علمانية رجال الدين المسلمين المتنوّرين؟

ألستم تلاحظون أنّ الأحزاب اللبنانية كلها، بما في ذلك أحزاب الطوائف والأحزاب الدينية، تجمع على قيام الدولة العلمانية؟ «القوات»، «الكتائب»، «الاشتراكي، حتى «حزب الله» ومن باب أولى الخصمان اللدودان حركة «أمل الشيعية» و»التيار الوطني الحرّ»، كلّهم يعلنون التمسّك بدستور الطائف العلماني. لكنّهم بالتطبيق العملي يدافعون إمّا عن مصالح أحزابهم أو عن مصالح طوائفهم، ويذهب «حزب الله» بعيداً ليدافع عن ولاية فقيه إيراني مثلما يدافع سواه عن ولاية فقيه أسدي أو ناصري أو ستاليني، ربّما يكون بوتين آخر تلك النسخ والنماذج العلمانية.

أعتذر منكم وتعالوا، قبل التوقيع، نبحث لنتّفق على معنى يوحّد بيننا ويجمعنا نحن العلمانيين. العلمانية بنت الثورة الفرنسية. لم تكن معروفة من قبل في أي من الحضارات، لا الدينية ولا الأسطورية ولا الخرافية، ولا في الأنظمة السياسية القبلية أو الأمبراطورية أو القيصرية أو التيوقراطية. هي من شجرة عائلة جذورها الدولة الحديثة ومن فروعها وأغصانها الدستور والقانون الوضعي والديمقراطية والوطن والشعب وحقوق الإنسان، «المدنية» غصن ملقّح من هذه الشجرة، وهو يعني أنّ الدولة لا يحكمها لا ضبّاط الجيش ولا رجال الدين.

من منكم يا أعزّائي الطلاب، من منّا متحدّر من ثقافة علمانية إن كنّا جميعاً قد ولدنا من أرحام أحزاب وتيارات وقوى سياسية تتداول بهذا المصطلح ويغني كل منها المعنى الذي يضمره، ثم وتربّينا على رفض التنوّع وعلى ادّعاء كل منّا امتلاك الحقيقة وحده. كيف يمكن لهذه التربية أن تثمر غير التنابذ والتقاتل وما الحروب الأهلية على امتداد الأمّة إلا من ثمار العداء للديمقراطية والعلمانية.

ليس علمانياً من لا يكون ديمقراطياً ولا يعترف بالآخر وبالتنوّع وبحقّ الاختلاف ومن يعتدي على حقوق الإنسان. ليس علمانياً من ينتهك الدستور والقوانين ومن لا يعترف بأنّ الوطن أرض وشعب ودولة حديثة ذات سيادة على حدودها وداخل حدودها.

حين نتّفق على مضمون واحد للعلمنة لا نعود بحاجة إلى توقيع عرائض وإصدار بيانات. حينذاك يهتدي فكرنا وسلوكنا بالخيط الهادي الذي يوحّد بيننا. حينذاك نصبح كالجائع يقول فيه الشاعر، من دون النظر إلى ساعة الحائط أو مفكّرة الجيب، أعرف مواعيد صراخي.