20 مايو، 2024

الثنائيات المغلوطة (8)نقد أم تجريح؟

30 أيلول 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/209531

النقد مادة تعلمناها في المدارس، لكنها كانت مقرونة بالأدب، وبالأدب وحده، لأنّ المواد الأخرى لا تقبل النقد إمّا لأنّها علوم كالرياضيات أو الفيزياء، أو لأنّها تاريخ علينا أن نقرأه ونحفظه وألا نحيد عن خطه المرسوم، أو لأنّها نص مقدس لا يعلم تأويله إلا… الراسخون في العلم.

حتى في الأدب والفنون الجميلة لم يعد النقد لائقاً فتمّ استبداله بتحليل نصوص هي حمّالة أوجه وحمّالة قراءات وتأويلات وتفسيرات. ألم يقل الإمام علي إنّ القرآن لا يقرأ بذاته بل يحتاج إلى رجال؟

عندما انتقلت من الدراسة إلى التعليم اكتشفت أنّ تدريس الأدب، ومعه كل العلوم الإنسانية، أصعب من تدريس الرياضيات، والسبب ببساطة يعود إلى أنّ هذه العلوم تحتمل تعدد القراءات ويصح فيها قول الشافعي، وهو ما لا يصح في العلوم البحتة، «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي سواي خطأ يحتمل الصواب». كانت هذه أول درس تعلمته عن الديمقراطية، أي عن قبول الآخر واحترام التنوع والتعدد والرأي المختلف.

الحرب الأهلية دمّرت سلم القيم الأخلاقية قبل السياسية، إذ بدأت بسحب اعتراف اللبناني باللبناني الآخر. عزل الكتائب ولبنان للبنانيين، خياران واضحان باتجاه الحرب ونصب المتاريس. وبلغ هذا النهج ذروته بعدما تحوّل النظام إلى نظام أمني، وانحدرت لغة الحوار إلى أدنى من بطن السقاية وإلى الصرماية والتضارب على الشاشات. لكن ليس هذا ما تقصده المقالة.

لم يعد الكتاب وسيلة فضلى لنقل المعرفة، بعدما تزامن انحدار القيم مع انقلاب في وسائل التواصل وتراجع فن الكتابة في الأدب والصحافة وكل وسائل الإعلام. انقلاب في المعايير مع ظهور المحمول واللابتوب. صار كل صاحب جهاز ذكي مشروع كاتب ومشروع ناشر، لا باللغة العربية ولا بالحرف اللاتيني بل باللغة الكرشونية، يملك حق المساجلة مع من قضوا العمر بين الكتب وفي مراكز الأبحاث. هنا بالضبط يكمن الفرق بين النقد والشتيمة.

يقول الفيلسوف باشلار، الرأي أحد العوامل المعيقة للوصول إلى المعرفة، مع أنّ التعبير عن الرأي حق تضمنه شرعة حقوق الإنسان. لكن الشرعة لا تساوي بين رأي يتوصل إليه العلماء استناداً إلى أبحاث ودراسات وبين رأي سائد في معتقدات العامة. وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ (قرآن كريم). تلك آفة ناجمة لا عن تمييز عنصري أو طبقي بل عن انتهاك مبدأ الكفاءة الذي تنص عليه دساتير الدول الحديثة.

في ظل حكم الميليشيات صاحب الكفاءة هو صاحب القدرة على التشبيح، وفي ظل حكم الأجهزة هو كاتب التقارير ومنفذ الأوامر. وإذا اجتمعا تمّحي المسافة بين الجامعة والجامع، أو بين مركز الأبحاث والمقرات التي تحاك فيها المؤامرات، أو بين عقل إلكتروني وعقل حزبي.

قد يتطاول قومي على سعيد عقل لتطرفه في حب لبنان، أو متعصب على المتنبي لشيعيته أو حاقد على محمود درويش بدعوى أنه يملك بيتاً في باريس أو حزبي على مرسيل خليفة بدافع أصولي أو جاهل على زياد رحباني بدافع سياسي.

قد يكون المتطاول من كتّاب «آخر زمن في العوامات» أو في الأجهزة المحمولة واللابتوبات، من الذين لم يزوروا في حياتهم مكتبة، والذين يغرفون ثقافتهم من بوستات وتلييكات ومن عدادات المعجبين.

وقد يكون عامل تنظيفات أو مهندساً أو أستاذاً جامعياً، فالشهادة وحدها لا تكنز معرفة ولا تعلم أصول النقد ولا آداب الحوار.

النقد هو تفنيد الآراء بالمنطق والأدلة والبراهين، وهو نقاش الفكرة لا إطلاق الأحكام على صاحبها، وإلا فهو شتيمة.