20 مايو، 2024

أخطاء في حسابات الممانعة

4 تشرين الأول 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/210542

أفضت حرب تشرين 1973 إلى توزيع قوى المواجهة العربية على ثلاث جبهات، ذهبت الأولى بقيادة أنور السادات نحو الصلح والتسوية السلمية بالمفاوضات مع إسرائيل، وفضلت الثانية، بقيادة ياسر عرفات، الكفاح المسلح إلى جانب غصن الزيتون سبيلاً لتحرير فلسطين.

أما الثالثة فاختارت، بقيادة حافظ الأسد، خطة تقع بين الحرب والسلم، قوامها تحييد الجيش السوري بانتظار ظروف مناسبة للتسوية، وخوض المعارك بالواسطة إمّا بتقديم مساعدة مشروطة للمنظمات الفلسطينية وإمّا بإيواء رموز ثورية مثل عبدالله أوجلان، فاستحقت إسم الممانعة لأنها امتنعت عن خوض الحرب ووافقت على تسوية افتراضية وعرقلت السعي إليها.

عبّر حافظ الأسد عن ذلك بقوله، إن الوضع الذي نحن فيه – ما بين عناقيد الغضب عام 1996 والانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من لبنان عام 2000 – أفضل من كل التسويات المفروضة علينا. كان يقاتل بالمقاومة اللبنانية ويدخل في مفاوضات ومساومات على حسابها، ولم يكن خافياً على أحد كم كان القرار الإسرائيلي مفاجئاً ومربكاً لأهل الممانعة.

اغتيل رفيق الحريري لأنّه شكل نموذجاً رابعاً للمواجهة، فلم يعترض على النماذج الثلاثة الأخرى بل كان ينسّق معها ويقدم الدعم لها جميعاً، آملاً بأن تترك له حرية العمل في إعادة إعمار ما خربته الحرب الأهلية في الحجر والبشر. لم يكن خياره هذا في نظر الممانعة محايداً. بل هو نهج فاضح. فهو قدم الدليل على أنّه من الممكن وضع أوطاننا على طريق النمو حتى لو كانت تخوض معارك التحرر الوطني، ووضع موضع التساؤل شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وتقصيراً غير مفهوم في الامتناع عن إعادة إعمار مدينة القنيطرة وعن إعادة أهلها إليها بعد تحريرها.

بعد اغتيال الحريري خرج نظام الوصاية من لبنان عسكرياً وبقي سياسياً من خلال حلفائه والصغار من أدواته الذين أعلنوا في الثامن من آذار 2005 ولادة الفرع اللبناني من الممانعة بقيادة الثنائي وجوقة من التابعين والملحقين.

الهدف القديم الجديد واضح، تخريب الدولة. نظام الوصاية احترم الشكليات. أبقى على الرئاسات وخلطها فأزال بشحطة مخابرات مبدأ الفصل بين السلطات. الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية في موعدها. آلية التعيين واحدة ، بدءاً من الرئاسة الأولى، والعصا لمن عصى.

لم يتقن الطلاب أسلوب أستاذهم، بدأوا تمرينهم الأول بعد انسحاب الوصاية بضرب المؤسسات من غير أن يستخدموا أي تمويه، فعطلوا انتخاب رئيس للجمهورية وأقفلوا المجلس النيابي وسحبوا وزراءهم ليجعلوا الدولة بلا مؤسسات وليضعوا الوطن على شفير الانهيار.

ما لم تتمكن الممانعة اللبنانية، في ذروة قوتها وزخم «الانتصار» في حرب تموز، من تحقيقه بحصار السرايا الحكومية عام 2007، عملت عام 2016، على تحقيقه مستفيدة من ضعف خصومها، بتنصيب رئيس لا يعرف كوع الرئاسة من بوعها، وتستمر، بعد رحيله غير المأسوف عليه، ورغم تبدل الظروف في غير صالحها، بدفع عملية التعطيل إلى نهاياتها التدميرية. فهل أخطأت حساباتها؟

حركة «أمل» هنأت القيادة السورية البارحة بانتصارها في حرب تشرين. هذه عينة من الحسابات المغلوطة. في تلك الحرب خسرت سوريا بضع عشرات من القرى والمزارع في الجولان إضافة إلى ما كانت قد خسرته في حرب حزيران. فكيف يكون انتصاراً؟ التفسير الوحيد هو أن كل شيء، في نظر أنظمة الاستبداد، قابل للتعويض إلا السلطة، والمعيار صمود الرئيس في القصر حتى لو فقد الوطن نصف شعبه.

لكن، لا الممانعة السورية سيّدة على أرضها، ولا المعارضة اللبنانية هي ذاتها التي أخطأت ذات يوم ثم أذعنت فانهزمت.