1 مارس، 2024

“اللحظة القومية العربية” في لبنان (2)

23 كانون الأول 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/237636

أبرز ما ميّز قيادات اللحظة القومية العربية هوس بالسلطة. وأفضل السبل التي سلكوها هو الانقلابات العسكرية التي قادها ضباط أو معممون. هم افترضوا أن الحركات القومية الأوروبية قادتها الجيوش، ودشنها نابليون بونابرت، فجعلوه قدوة ومثالاً.

مثل هذه اللحظة كانت الأسوأ في الثورة الصناعية. صنعت أكبر حربين عالميتين في التاريخ. قياداتها العربية اقتبست أبشع ما في نسخة بلاد المنشأ، التنافس حتى التطاحن والتعصب الأعمى وعنفاً بلغ ذروته في النازية والفاشية. نسختها العربية بدأت بالاستيلاء على السلطة من قبل «ضباط لم يدركوا أنّ الثورة عملية تحول ثقافي وفكري»، بحسب صادق جلال العظم، واقتصادي بحسب كل مؤرخي الرأسمالية، ولذلك «فوّتوا على العالم العربي فرصة نادرة لتحقيق ثورته والتخلص من تخلفه».

مني لبنان بحصة كبرى من تلك اللوثة فنفشت القومية اللبنانية ريشها في وجه قوميات متصارعة ومتنافسة في الجوار. خير أمة أخرجت للناس، شعب الله المختار، مطامع فارسية وأحلام سلطانية التقت كلها على حلبة صغيرة، إسمها لبنان، لا يتجاوز حجمها آلاف الكيلومترات، شعبها مالئ الدنيا وشاغل الناس، من إبداع الفينيقيين اللغة إلى الأكاديمية على ضفاف السين، وبينهما التفرّد بفسحة من الحرية شكلت متنفساً لضحايا الاستبداد العربي.

صادق العظم رمى «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في وجه من لم يروا في النقد غير الانهزامية والتشاؤم، وعلى بعد خمسين عاماً استكمل شارل رزق رفع النقاب عن وجه من أدار الدفة في تلك «اللحظة» التي تبارزت القيادات القومية على حلبتها في رفع شعارات «الوحدة والثأر والتحرير»، وكفاها رفعها شر هزائم الأنظمة لتكتوي الشعوب وحدها بالهزائم. فهل يكون الطوفان آخر جولات المبارزة ليجرف الشعارات وحامليها؟

تظافرت جهود «اللحظة القومية العربية» وندها اللبناني لتصنع فتح لاند، وتتابع ما دشنه كميل شمعون، منحازاً إلى حلف بغداد ضد تيار العروبة، انتهاكاً لسيادة الدولة اللبنانية، ليستكمل الورثة تبادل الأدوار والأسماء في مهمة تدمير الوطن الجميل والواحة الديمقراطية الوحيدة في صحراء الاستبداد.

«لم يكن المطلوب محاربة الصهيونية والأمبريالية ولا استعادة حقوق الشعب الفلسطيني»، يقول شارل رزق، بل توطيد سلطة قائمة أو استعادة سلطة أو البحث عن سلطة. حين تكون السلطة هدفاً لا تعود الشهادة تضحية من أجل القضية. حتى منظمة التحرير تخلت عن تضحياتها وعن واقعيتها وثوريتها وقضيتها عندما اختزلت ميراث ياسر عرفات بالسلطة، ولم ترث عنه إبداعه في إمساكه وسط العصا المصنوع من غصن زيتون وبندقية، وتخلت عن غزة قائلة من بعد السلطة الطوفان، فيما لن يكون الطوفان غير جهد ضائع بكلفة باهظة باحثاً هو الآخر عن سراب سلطة.

يرى شارل رزق أنّ «نكسة حزيران 1967 وجهت الضربة الأولى إلى القومية العربية بإعادتها مصر إلى بيئتها الإفريقية، وأنّ الثورة الإيرانية وجهت إليها الضربة الثانية بتغليبها ولاء الشيعة العرب لمذهبهم على ولائهم الوطني والقومي العربي». وفي الضربتين لبنان أول الخاسرين. بعد الضربة الأولى، يقول رزق «توهمت أطرافه المتصارعة، في حالة من عدم التبصر المميت، أنها تدافع عن نفسها» وتحولت إلى أدوات تنفيذية في لعبة الحرب الأهلية.

بعد الضربة الثانية تولت الشيعية السياسية مهام «اللحظة القومية» ومهام نظام الوصاية، برفضها التسويات وتعطيلها الحلول وإبقائها لبنان في حالة خوف دائم من تجدد الحرب الأهلية، وبرفعها شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. الهدف المعلن واحد، تحرير فلسطين، والحقيقي واحد، هوس السلطة، حتى لو كانت مستلهمة من أساطير الأولين.

هذا الإرث مرض قابل للشفاء علاجه الوحيد العودة إلى كنف الدولة.