1 مارس، 2024

الحرب مباراة في القتل

27 كانون الثاني 2024

https://www.nidaalwatan.com/article/247191

تبدّلت تقاليد الحروب وقيمها. قديماً كان يُقال العفّة عند المقدرة، في اليونان القديمة كانت المدينة لا تحشد جيشاً بل تختار من يمثّلها في مبارزة فردية مع خصمه من المدينة المعادية… لسنا نعلم حجم المبالغة الشعرية في قول إبن الرومي عن فتح عمورية، «تسعون ألفاً نضجت جلودهم»، أو في قول المتنبّي عن الحدث الحمراء «ومن جثث القتلى عليها تمائم».

لم يعرف التاريخ حروب إبادة كالتي يشهدها العالم المعاصر. مع الحضارة الرأسمالية بدأت هذه الحروب. أولها ضدّ الهنود الحمر. لا يحكى عن مجازر حين دخول العرب إلى الأندلس ولا حين خروجهم منها مهجرين. استعاد أهل البلاد الاصليّون أملاكهم وأراضيهم وطردوا العرب واليهود.

لا «إنسانية» في الحروب. كلّ حرب مقتلة. لكن عدد القتلى مرتبط بقدرة السلاح على القتل. مع السلاح الناري واكتشاف البارود انقضى عهد السلاح الأبيض. وإذا صحّ الإختصار فوراء كلّ حرب مهووس سلطة. من محرقة نيرون في روما حتى محرقة هتلر. قنبلة هيروشيما شقّت طريق السلطة بل التسلّط الأميركي على العالم، باسم الدفاع عن الحرية، حرية رأس المال.

قد يعترض باحث علمي على هذا العرض الرومنسي. لكن تاريخ الحروب يشبه تاريخ الصيد. بدأ الإنسان يصطاد ليقتات ثم صار الصيد رياضة تطلق فيها النار على الأطباق الطائرة أو على الوطواط والبجع حين تندر الطرائد. هذا ما تفعله أميركا في اغتيال أعدائها من ابن لادن حتى قاسم سليماني. إسرائيل استخدمت الأسلحة ذاتها فاغتالت القادة واصطادت المقاتلين.

الأسلحة أجيال والحروب أجيال. جيل السلاح الناري والبارود لم يذهب إلى التقاعد بل صار جندياً في جيش التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي، لكنّه لا يشذّ عن كلّ ما أنتجه مركز الحضارة الرأسمالية. يعطي المركز أطراف الحضارة بعضاً من فتات صناعته، أمّا عباقرة الأطراف فلا مكان لهم في بلدانهم، لا بسبب الطغيان الذي يمارسه حكامهم فحسب بل بفعل الإغراءات التي يغدقها عليهم المركز.

حرب غزّة وملحقاتها مختبر لكلّ أجيال الحروب والأسلحة. مقدمتها تشبه الغزو ومتنها إبادة ومجازر تشبه المحرقة وبعضها يشبه رياضة الصّيد. فيها عطش الحسين في كربلاء وجوع اللبنانيين في الحرب العالمية الأولى وفيها عويل الجمهور العربي وبكاء المؤسسات الإنسانية العالمية على ضحايا التوحّش الصهيوني. فيها تذكير بعنف الحجاج بن يوسف وصكوك الغفران وحروب الإبادات الدينية. لكن فيها من حسابات الربح والخسارة ما لا تقبله لا العقول البشرية ولا الإلكترونية.

حين تنقرض مخلوقات كانت موجودة منذ ملايين السنين، تلك إرادة التاريخ. أمّا أن تباد مدن وتزال معالمها وتسوّى بالأرض مساجدها وكنائسها ومستشفياتها فهذا ما سيدينه التاريخ. من حقّ الطبيعة أن تفعل بنفسها ما تشاء، لكن ليس من حقّ البشر أن يفعلوا بالطبيعة ما يشاؤون. انتقامها حتمي وإن أرجأته إلى حين. الثقب الأسود من علامات التوحّش. الطبيعة تردّ بتبدلات المناخ.

هل تحسب الصهيونية فعل الإبادة انتصاراً؟ أليس إلغاء غزّة عن الخريطة ثمناً باهظاً لانتصار حماس؟ إذا كان عدّاد القتلى والأسرى معياراً للنصر والهزيمة، فهل يحسب انتصاراً تحرير مئة فلسطيني مقابل تحرير إسرائيلي واحد؟ أليس هذا احتقاراً للعروبة وإمعاناً في التمييز العنصري تمارسه كل من حماس وإسرائيل؟ وهل يحسب من بين الإنجازات العسكرية قتل مئات من الجنود الصهاينة فيما بلغ عدد الضحايا في غزة عشرات الآلاف؟ وماذا عن ضحايا حرب البراميل السورية؟ وهل يحسب انتصار النظام على شعبه انتصاراً؟

ما يقال عن غزّة يقال عن لبنان. لعلّنا نستخدم عدّادات أخرى لإنقاذ الوطن.